فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 37

5 -قوله تعالى: ( وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا ) [1] المعهود في اللغة أن فعل النصر يتعدى بحرف الجر"على"لكنه هنا لم يقل"ونصرناه على القوم"وإنما قال: ( وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ ) فما السر في ذلك ؟ يجيب النحاة بأن الفعل إذا تضمن معنى فعل آخر تعدى تعديته، وهنا ضُمِّن فعلُ النصر معنى النجاة والانتقام فإن هؤلاء الذين كذبوا"نوحًا"بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وسخروا منه وهددوه بالرجم.. لا يستحقون من الله إلا الانتقام بالإغراق في الطوفان، أما هو ومن معه من المؤمنين فلهم النجاة فانظر كيف أدى التضمين هنا معانى النصر والنجاة للمؤمنين والانتقام من الكافرين.

6 -قوله تعالى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ ) [2] السطحيون يقولون إن الباء هنا بمعنى"من"أى يشرب منها عباد الله؛ ولكن المحققين المتعمقين يقولون: إن القرآن الكريم لم يضع حرفًا مكان حرف إلا لعلة وسبب، قد يخفى علينا في زمن، وقد يظهر في زمن آخر، وهذا سر من أسرار الإعجاز، ومن هنا تأتى قاعدة التضمين لتحل هذا الأسلوب إلى معنى جميل: ذلك أن الشارب قد يشرب الشىء وهو مكره كالمريض حين يحتسى الدواء، وقد يشربه ولا يرتوى به بل يزيده عطشًا على عطش، لكن الشارب في الجنة يشرب من تلك العين وهو متلذذ مرتو مستمتع بها وعلى هذا فالفعل"يشرب"فى الآية متضمن معنى: يرتوى ويتلذذ.

7 -ومن هذا الوادى قوله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة: » أرحنا بها يا بلال « إذ لم يقل: أرحنا منها؛ من حيث إن الباء تفيد السبب، فهى التى تحقق الراحة.

8 -ومنه كذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ) [3] ولم يقل:"الذين هم في صلاتهم ساهون"فالسهور عن الصلاة ترك لها.

(1) سورة الأنبياء - الآية 77 .

(2) سورة الإنسان - الآية 6 .

(3) سورة الماعون - الآية 5 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت