فهرس الكتاب
أما الإمام الشافعى فإنه انتفع بقواعد البلاغة هنا في تقسيم القصر إلى حقيقى وإضافى.. واستحضر ما كان عليه الجاهليون من اعتراضهم على المسلمين في تحريم الميتة حيث قالوا: كيف تحلون ما قتلتم وتحرمون ما قتل الله ؟ وفى تحريمهم للدم مع أنه خلاصة الغذاء، بل إنهم كانوا يفصدون الإبل، ويشوون الدم الناتج عن الفصد ويقدمونه للضيوف، والمثل المشهور عن حاتم: هذا فصدى أَنَهْ، وفى تحريمهم للخنزير مع لذة لحمه وشبهه بالأنعام، وفى تحريمهم لما ذبح للآلهة مع أنه قربان.. وإذن فقد كان الخلاف بين المسلمين والكفار حينذاك منصبًا على هذه الأربعة، فجاءت الآية ومثيلاتها في قوله تعالى: ( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ) [1] لتقول لهم: إن ما ادعيتم حِلّه هو الحرام بعينه؛ فيكون ردًا على معتقداتهم وليس حصرًا حقيقيًا؛ كما يكون بينك وبين أحد خلاف في تفضيل عالم على آخر فتقول له: إنما العالم محمد؛ فأنت هنا لم تنف العلم عن غير محمد، ولكنك حين نظرت إلى علمه وإلى علم غيره وجدت علم غيره كلاشىء بالنسبة لعلم محمد، فادعيت أن محمدًا هو العالم.. وكذلك هنا ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنسبة لما حرمه الله شىء يسير فلا نسخ.
3 -قوله صلى الله عليه وسلم: » ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ «؛ اختلف الفقهاء في فهم معنى الحديث ففهمه البعض على أن ذكاة أمه ذكاة له فيؤكل، فلا تشبيه، وفهمه البعض الآخر على معنى التشبيه أى أنه يذكى مثل ذكاة أمه؛ الأول أحلّ الجنين إذا سقط بعد ذبح أمه ميتا، والآخر حرّمه..
(1) سورة البقرة - الآية 173 .