10 -ولما جلس أبو عبيدة معمر بن المثنى لدروس العلم في المسجد جاءه رجل يقول له: إن العرب حين تستعمل أسلوب التشبيه فإنها تشبه مجهولًا بمعلوم حتى يتضح المجهول فما بال القرآن يشبه مجهولًا بمجهول في قوله تعالى عن شجرة الزقوم: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ) [1] ؛ فنحن لم نر طلع الشجرة فهى مجهولة لدينا، ورؤوس الشياطين أيضًا مجهولة لنا حيث لم نر شيطانًا، فكيف وقع هذا في القرآن ؟ فرد عليه معمر بأن العرب تكتفى بالصورة الذهنية عن الصورة المشاهدة، ورأس الشيطان صورته في الذهن العربى صورة كريهة مخيفة مرعبة، فشبه به شجرة الزقوم، كما فعل العرب حين شبهوا الرماح بأنياب الغول وهم لم يروا الغول في مثل قول الشاعر:
أيقتلنى والمشرفىّ مضاجِعى ... * ... ومسنونةُُ زرق كأنياب أغوال
ومن هنا نشأ علم البلاغة لخدمة أساليب القرآن أيضًا.
11 -ولما كان الهدف واحدًا لهذه العلوم تعاونت وتكاملت في فهم النص الشرعى، وأجمع علماء الشريعة وفقهاؤها أن تعلم العربية والتعمق فيها شرط أساسى لكل باحث في أى علم شرعى، ولجأ أئمة الاستنباط إلى تلك القواعد يستعينون بها على بيان أحكام الله، بل جعلوها أحيانًا حكمًا بين الآراء، ومرجحًا لبعض الأحكام، فكانت مباحث الألفاظ العربية - مثلًا - بابًا رئيسًا في علم أصول الفقه، وكان اشتراط أهل العلم في أى مجتهد أن يكون إلمامه عميقًا بأسرار العربية، وكانت مقولات المفسرين في بداية كتبهم تنبيهًا مسهبًا إلى أهمية التعمق في العربية بعلومها المختلفة وسيلة لفهم كتاب الله؛ ومن أهم هذه العلوم: علم الغريب والمعاجم، وعلم الصرف، وعلم النحو، وعلم البلاغة والأدب.
ضرورة الدلالات الأربع
(1) سورة الصافات - الآية 65 .