للمراكز الفكرية الأمريكية آثار مباشرة على الإعلام الغربي، ومن ثَمّ على الرأي العام الأمريكي، وقد رصد أكثر من باحث أكاديمي كيف أن المراكز الفكرية تنجح في كثير من الأحيان في تغيير الرأي العام الأمريكي تجاه قضية معينة عن طريق مجموعة خطوات إعلامية مدروسة بعناية لتحقيق هدف محدد، وهو تغيير قناعات ومواقف الرأي العام لتبني وجهة نظر المركز الفكري والجهات التي تموله.
ويذكر تشارلز وليام ماينز، محرر دورية (السياسة الخارجية) Foreign Policy كيف يتم تغيير الرأي العام الأمريكي بطريقة منظمة تبدو عفوية، فيقول:
(تبدأ العملية بمقال في أحد الدوريات السياسية المتخصصة يكتبه باحث أكاديمي متميز ومعروف، ويُقدّم هذا الباحث في المجلة أو الدورية على أنه(خبير أو عالم) مما يوحي بالتوازن والاعتدال في الطرح، ولا يذكر عادة أن هذا الباحث موظف يعمل براتب في أحد المراكز الفكرية معروفة التوجه!
يلي ذلك تولي عدد من المطبوعات الأخرى الموالية لنفس الاتجاه الثناء على المقال الذي نشر في الدورية، وإبراز الأفكار الهامة في هذا المقال، والتأكيد عليها مرة أخرى، ثم يُعقد بعد ذلك عادة مؤتمر عام، يدعى إليه متحدثون يمثلون نفس وجهة النظر، ويتم اختيارهم بعناية للتعبير عن نفس الفكرة، وحشد الآراء حولها، ويدعى إلى مثل هذه المؤتمرات مجموعة من الصحفيين المختارين بعناية لإبراز هذا الحدث في المجلات والصحف التي يمثلونها، مما يضفي هالة جديدة من الاهتمام حول المؤتمر وموضوعه، والأفكار التي يراد نشرها، وبالطبع يكون مفهومًا للجميع بشكل لا يقبل الشك، أن الجوائز الصحفية، والدعوات للحديث في المحافل العامة، ووسائل الإعلام، والجوائز التقديرية، كل ذلك سيكون من نصيب أولئك فقط الذين يدافعون عن الفكرة ويدعون إليها في كل مكان. وهكذا وبهذه المهارة المنظمة، تصبح الفكرة داخلة ضمن التيار العام للأفكار المقبولة للرأي العام الأمريكي، وبذلك تؤثر بطريق غير مباشر على القناعات السياسية للإدارة الأمريكية) [1] .
ومن المفارقات التي تلفت النظر أن نجد أن بعض المؤسسات الفكرية تدعم برامج وثائقية وتلفزيونية؛ لأنها تخدم وجهة نظرها، وتعبر عنها؛ ومثال واضح على ذلك هو ستيف إيمرسون صاحب البرنامج التلفزيوني الشهير (جهاد في أمريكا) .
(1) كلمة ختامية تشارلز وليام وايلز، مجلة السياسة الخارجية عدد مارس 1997م