ويرى الدوري [1] ان هناك سببًا ثالثًا هو اسلوب ابن اسحاق ونظرته في دراسة السيرة والحديث اذ انه لم يلتزم باسلوب المحدثين في دراسته وكتابته وانه خرج بذلك عن تقاليد الدراسة واسسها في المدينة حين جمع معلوماته من مصادر بعضها مشكوك فيه بنظر اهل المدينة.
وذكر ابن سيد الناس [2] (( ولم يكن يقدح فيه مالك من اجل الحديث وانما كان ينكر عليه تتبعه غزوات النبي(صلى الله عليه وسلم) من اولاد اليهود الذين اسلموا وحفظوا قصة خيبر وقريظة والنظير وما اشبه ذلك من الغرائب عن اسلافهم )). والسبب الرابع للخلاف بينهما هو ان ابن اسحاق كان يطعن بنسب مالك بن انس واخيرًا فقد تصالحا عندما عزم محمد بن اسحاق على الخروج الى العراق (( فتصالحا حينئذ واعطاه عند الوداع خمسين دينارًا ونصف ثمرته تلك السنة ) ) [3] .
ويقينًا ان الرجل الذي نال عداء مالك واعجاب الزهري لا يعد شخصًا عاديًا كما ان العصر الذي عاش فيه لا يعد عصرًا عاديًا ايضًا [4] .
اثنا عشر: مكانته في نظرالمؤرخين.
نظرًا لمكانة ابن اسحاق وشهرته في الحديث النبوي الشريف وفي السيرة والمغازي وما بذله من جهد عظيم في تدوين سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومغازيه فقد نال ابن اسحاق احترام وتقدير رجال العلم وقد وثقه العلماء والمؤرخين القدماء فقال عنه عاصم بن عمر بن قتادة (( لا يزال في الناس علم ما عاش محمد بن اسحاق ) ) [5] وكان شيخه الزهري يقول فيه (( من اراد المغازي فعليه بابن اسحاق ... هو اعلم الناس بها ) )وقال كذلك (( لايزال بالمدينة علم جم ما كان فيهم ابن اسحاق ) ) [6] ولما كان الزهري مقدرًا لمكانة ابن اسحاق فقد كان يخصه باحترام كبير وتقدير بالغ
(1) دراسة: 118.
(2) عيون الاثر: 1/ 22.
(3) المصدر نفسه: 1/ 23.
(4) الجبوري، المرجع السابق: 110؛ وينظر،
(5) الخطيب، المصدر السابق: 1/ 235.
(6) الرازي، المصدر السابق: 7/ 191؛ الذهبي، سير اعلام النبلاء: 7/ 36.