وهم الذين ضبطوا حقيقته، وأركانه، وشروطه , وأنواعه , وكيفية الاحتجاج به , وأهم القوادح التي يمكن أن ترد عليه , وكيفية السلامة منها , وهم كذلك من ضبط التعليل، ورتب مسائله وفق تسلسل منطقي يدل على سعة العقول، وصفاء الأذهان , والوقوف على ما حرروه في هذا الشأن يكسب الناظر ... - بالإضافة إلى المعرفة - مهارة التفكير المنظم , والمنهج المنطقي في التوصل إلى النتائج بواسطة العقل فيما يمكن أن يوكل إليه، ولعل إبداعاتهم العقلية في مسالك العلة , والسبر والتقسيم، ودليل الاستقراء، وقوادح القياس خير شاهد على هذا الأمر , وأحسب أنهم في هذه القضايا وغيرها قد سبقوا أرباب مدارس التفكير الحديثة فيما بات يعرف الآن بالعصف الذهني , ونحوه.
وإن كان الباحث يريد الاستدلال الصحيح بالمصلحة، أو الاعتماد على ما يعرف بالاجتهاد المقاصدي فلا غنى له عما قرره الأصوليون في هذه الأبواب من ضوابط الاحتجاج بالمصلحة , وآليات النظر في المقاصد , وكيفية الموازنة بينها وبين الأدلة الجزئية الخاصة , فالأصوليون هم الذين وضعوا الحد الفاصل بين تحكيم الرأي والهوى - الذي يمكن أن يمارس باسم إعمال المقاصد- وبين الاجتهاد المقاصدي الصحيح القائم على النظر في الكليات مع الموازنة بينها وبين الأدلة الجزئية الخاصة , وهذا الأمر- بالمناسبة- يعد مركبًا عسيرًا وطريقًا وعرة، ولذا سماه شيخ الإسلام: (خاصة الفقه) .
وهكذا الحال إن رام الباحث الاحتجاج بالقواعد الفقهية , أو التمسك بالأدلة المختلف فيها , أو استعمال الأدلة العقلية الأخرى، فإنه حتمًا لن يقارب