الصفحة 56 من 67

ولهذا قال العلامة ابن القيم - رحمه الله: النشرة نوعان: نوع محرم، وهو حله عن طريق الإتيان إلى السحرة؛ لأنه يتقرب الناشر والمنشر إلى الشيطان بما يحب، يبطل عمله عن المسحور، هذا طريق مسدود، هذا محرم؛ لأن الناشر والمنتشر يتقرب إلى الشيطان بالشركيات التي يحبها، فيبطل عمله عن المسحور.

والثاني: النشرة عن طريق الرقية الشرعية، وليحذر من الإتيان إلى الكهنة والسحرة، عليه أن يصبر ويحتسب، ويتضرع إلى الله بشفاء مريضه، وعليه - مع ذلك - أن يستعمل الأسباب الشرعية، وهذه من المصائب التي قدرها الله، وهي خير للمؤمن، تكفر بها السيئات، وترفع بها الدرجات، وقد ورد في الحديث الصحيح:"أن المؤمن تكون له الدرجة العالية في الجنة، لا يبلغها بكثير عمل، وإنما بالمصائب التي أصيب بها، واحتسب"وإذا رضي بالمصيبة كان له ثواب أعظم، وأعظم، وإذا اعتبرها نعمة شكر الله عليها، كان من عباد الله الخلص، فالناس حينما تنزل بهم المصائب والنكبات أقسام: القسم الأول: أن يجزع ويتسخط، ويفعل ما حرم الله، يلطم الخد، ويشق الثوب، وينتف الشعر، ويدعو بالويل والثبور، هؤلاء تسخطوا ولم يصبروا - تركوا الصبر واجب، ومن ترك الواجب فإنه يأثم، ولهذا جاء في الحديث:"النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" [1] .

سربال: ثوب من قطران حتى يكون اشتعال النار به أشد، ودرع من جرب، ثم تشعل فيه النار، والعياذ بالله؛ لأنها ناحت، ولم تصبر، وإنما تسخطت، فهذا المتسخط حصل على الإثم والوزر.

القسم الثاني: من يصبر على المصيبة، والصبر معناه: حبس النفس عن الجزع، حبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عن فعل ما لا يرضاه الله، فلا يلطم خدًا، ولا يشق ثوبًا، ولا ينتف شعرًا، بل يصبر ويحتسب، هذا أدى الواجب.

والقسم الثالث من الناس: من يصبر ويرضى بقضاء الله وقدره، لما يعلم من ترتب الأجر والثواب العظيم، فهذا له أجر الصابرين وله أجر الراضين. من يصبر ويرضى ويشكر الله يعتبرها نعمة، لا فرق بين المصيبة وبين غيرها، فهي نعمة يشكر الله عليها، حيث قدرها عليه؛ ليرفع درجاته، ويكفر سيئاته، لا يقوى على هذا ولا يصل إلى هذه الدرجة إلا عباد الله الخلص - الصابرون الراضون الشاكرون لله.

(1) - مسلم: الجنائز (934) , وابن ماجه: ما جاء في الجنائز (1581) , وأحمد (5/ 342 ,5/ 343 ,5/ 344) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت