الصفحة 18 من 24

الأمر الذي أذاع روح الشك والريبة في صدور كثير من المسلمين ، وجعلهم يعيدون النظر في كل شيء ،حتى في معتقداتهم ، فقد ظهر بين علماء المسلمين من يقول ما لا يفعل ، ومن صار الدين عنده كجملة الصناعات التي يتكسب من ورائها ، فانحرفوا عن روح الإسلام ، وفصلوا بين العقيدة والعمل ، وانصرفوا إلى الجدل ، والمناقشة في الجزئيات والفروع ، وتملق الولاة والحكام ، وجعلوا الدين مطية للدنيا .

وقد أخبر الصادق المصدوق ـ كما في الصحيحين وغيرهما ـ عن ذلك فقال: ـ"إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد و لكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسًا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا و أضلوا"

وهذا تحذير من ترئيس الجهلة ، وذم من يقدم عليها بلا علم ، فلا شيء أوجب على الأمة من رعاية أحوال المتصدين للرياسة بالعلم ، فمنْ الإخلال بها ينتشر الشر ، ويكثر الأشرار ، ويقع بين الناس التباغض والتنافر

(5) القهر واستبداد بعض الحكام

لا شك أنَّ الضرب بيد من حديد للاتجاهات الدينية كان من شأنه الحيلولة بين كثير ممن يودون الالتزام بشريعة الإسلام وبين دينهم ، فتربى الكثير على المداهنة والمداراة وإيثار السلامة والخوف من كل ما سوى الله تبارك وتعالى ، وركب آخرون الموجة فباع دينه موالاة للطغاة ، ومن شأن هذا أن يحدث خللا عميقًا في البناء الاعتقادي للمجتمع ، لأنَّ اليقين يتزعزع ، ويوالى أعداء الله تعالى ، ويتأول الدين لأهواء الأمراء .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"الأئمة من قريش ، أبرارها أمراء أبرارها ، و فجارها أمراء فجارها ، و إن أمرت عليكم قريش عبدا حبشيا مجدعا فاسمعوا له و أطيعوا ما لم يخير أحدكم بين إسلامه و ضرب عنقه فإنْ خير بين إسلامه و ضرب عنقه فليقدم عنقه" [1]

(1) أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه وتعقبه الذهبي فقال: منكر ، لكن صححه الألباني (2757) في صحيح الجامع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت