فهرس الكتاب
ولم تكن تلك المعاناة مقتصرة على شخص الرسول صلى الله عليه وسلم فحسب، بل كانت عامة على المؤمنين، فليس بخاف على المؤمنين ما حل بآل ياسر في بداية الدعوة إلى الله وكيف تعذبوا وقتلت سمية رضي الله عنها وكذا زوجها ياسر رضي الله عنه بحراب المشركين، وما ناله بلال رضي الله عنه من تعذيب وتنكيل على يدي أمية بن كعب في رمضاء مكة، وأخيرًا الهجرة النبوية التي كانت أشد وطأة على المؤمنين عندما تركوا الديار والأهل والمال وخرجوا خفية بدينهم إلى المدينة النبوية، لم يحملوا معهم إلا ما يسد رمقهم، كل ذلك في سبيل الدعوة إلى الله.
يقول خباب بن الأرت رضي الله عنه: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد ببرد له في ظل الكعبة - قلنا: ألا تستنصر لنا؟
ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيُجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله أو الذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (1) .
وهذه السٌنَّة بقيت ماضية على دعاة الحق بعد جيل الصحابة إلى يومنا هذا، وما البلاءات والمجازر والمآسي التي تنزل بالمسلمين في أصقاع المعمورة إلا امتداد لذلك المد المعادي لرسل الله وأوليائه عبر التاريخ، فها هي ملل الكفر والشرك والإلحاد رغم تفرقها فيما بينها في أشياء كثيرة تتحد اليوم على جسد أمتنا وتقتل إخواننا وأهلينا وتشردهم وتعذبهم وتأكل من خيرات بلادنا وتمتص ثرواتنا بشتى الوسائل كل ذلك لأن هذه الأمة تؤمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولا.
تفرق شملهم إلا علينا ... فصرنا كالفريسة للكلاب
(1) صحيح البخاري، رقم 3612، ص606.