فهرس الكتاب
فالداعية معرض لكل أنواع المواجهة سواء كانت تعذيبًا للجسد أو للنفس أو إتلافًا للأموال، لأن أعداء الدين لا يألون جهدًا في تسخير كل ما أوتوا في سبيل وقف الزحف الإسلامي والحد من انتشاره.
ولكن ماذا فعل الأنبياء والرسل والصحابة والصالحون من بعدهم تجاه هذا العناء وهذا الحرب من أولياء الشياطين؟ وماذا على المؤمنين في ظروفهم الحالكة الحاضرة؟
لقد واجهوا أولياء الله جبروت الطغاة وقوتهم باللجوء إلى الله والصبر على ما يلاقونه في سبيل دعوتهم، رغم أنهم يعرفون معالم الطريق وما يعتريهم خلال مسيرتهم الدعوية، لذا كان الصبر السلاح الأجدى في هذا الطريق، وهو الزاد الذي يحمله الدعاة إلى الله كما أمرهم بذلك ربهم عز وجل حيث قال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (1) .
وقد حثنا الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام كثيرًا على التحلي بالصبر في طريق الدعوة إلى الله، حتى تؤتي ثمرة الدعوة أكلها وتظهر نتيجتها، كما علّمنا أن أركان هذه الدعوة لن تثبت ولن تقوم لها قائمة بالتسرع والاندفاع العشوائي لمواجهة العقبات، لذلك ذكر عليه الصلاة والسلام في مناسبات كثيرة ضرورة الصبر والتصبر أثناء تبليغ رسالة الله إلى عباده، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -للأنصار: «إنكم ستجدون أثَرَة شديدة ، فاصبروا حتى تلقوا الله
ورسوله فإني على الحوض» قالوا: سنصبر (2) .
قال ابن إسحاق: وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر، وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول، فيما بلغني: «صبرًا آل ياسر، موعدكم الجنة» (3) .
ثانيًا: مصيبة الموت
(1) سورة آل عمران، الآية 200.
(2) صحيح مسلم، رقم 2436، ص425-426.
(3) السيرة النبوية لابن هشام، 1/ 346.