فهرس الكتاب
إن المؤمن الصادق مع الله سبحانه وتعالى لن يقابل أذى الناس بالأذى أبدًا، ولن يقابل سوء تصرفهم، بتصرف أسوأ من تصرفهم، وإنما يستعلي على ذلك ويترفع عن هذا التعامل في الحياة، وإنه ليصبر على أذى الناس وسوء أخلاقهم، ويعاملهم بالحسنى والخلق الأمثل، ليكون قدوة صالحة في المجتمع يقتدي به الذين آذوه أو شتموه أو أساؤوا التصرف معه، فيتركوا السيء من الأخلاق ويتمسكوا بالأحسن منها، فيكون بذلك قد قدم منفعة كبيرة لمجتمعه وأمته.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (1) .
ومما يشار إليه هنا ما يتعرض له بعض العلماء والدعاة من إيذاء الحسدة والحاقدين برميهم بالتهم والأكاذيب، واختلاق الأباطيل حسدًا وحقدًا لأن الله تعالى أعطاهم من النعم ما لم يعط هؤلاء الحسدة، والعالم وهو يواجه هذا الإيذاء يتحتم عليه زرع الصبر في قلبه وتحمّل أذى أولئك الضعفاء الذين أحرقت نار الحسد قلوبهم، وليعلموا أن القدوة عليه الصلاة والسلام لم يسلم من هذا الإيذاء كما سبق، وعلى العالِم والداعية أن يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» ويمضي في طريقه إلى الله تعالى بتبليغ الدعوة والاستمرار وعدم الوقوف عند تلك العقبات الوهمية التي لا تضر إلا صاحبها المسكين.
وإذا كان مطلوبًا من المؤمن الصبر على أذى الناس، فمن الأولى أن يمتنع عن إيذاء الآخرين، أو الإضرار بهم، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك، لا سيما إيذاء الجار الذي ربطه الرسول صلى الله عليه بالإيمان، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره» (2) .
كان الحسن البصري يقول: ابن آدم لا تؤذ وإن أوذيت فاصبر (3) .
(1) سنن ابن ماجه، رقم 4032، ص582.
(2) صحيح البخاري، رقم 6018، ص1052.
(3) الصبر، ص26.