فهرس الكتاب
إلا أن المؤمن يمتنع عن هذه المعاصي والمنكرات امتثالًا لأمر الله تعالى واتباعًا لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان هذا هو الدافع الذي جعل الصحابة يتركون ما كانوا عليه في الجاهلية بعد نزول الآية مباشرة، فعندما نزلت آية تحريم الخمر، بدأ الصحابة رضوان الله عليهم بتطبيق هذا الأمر رغم أنه كان فيه نوع من الصعوبة على أنفسهم، بوصفهم اعتادوا عليه لسنين طويلة، إلا أنهم مجرد أن سمعوا آية التحريم تقرأ عليهم حتى أخرجوا ما في بيوتهم من الخمور والمسكرات وأهراقوها في الأزقة والطرقات، وقالوا بأعلى صوتهم وبكامل رضاهم انتهينا ربنا انتهينا ربنا، وهذا درس عظيم يضرب به المثل في صبر الصحابة عن معاصي الله تعالى، والأمثلة في هذا المجال بالنسبة لجيل الصحابة كثيرة غير قابلة للعد.
والصبر عن معاصي الله تعالى ونواهيه أمر التزم به أنبياء الله تعالى كما التزموا بالصبر على طاعته، وهم القدوة لنا في أمورنا كلها كبيرها وصغيرها، فهذا هو نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام يتعرض لأكبر إغراء من امرأة وزير الدولة في ذلك الوقت وقد تزينت بكامل زينتها وجمالها، ويوسوس له الشيطان من جميع الأبواب، ويزين له فعل الفاحشة، وأسباب الفاحشة كلها متوافرة من الخلوة وإغلاق الأبواب وغيرها، إلا أنه يقاوم نفسه ، ويلجأ إلى الله تعالى في هذا الموقف العصيب ، ويصبر على هذا
الإغراء الشديد، ويفضل المكوث في السجن على الوقوع في المعصية، لأنه يعرف عقوبة هذا الفعل في الدنيا والآخرة، وكذلك يعرف جزاء الامتناع عنه في الدنيا والآخرة، فكان الوسام له والجزاء الإلهي أنه صار نبيًا من أنبياء الله تعالى، ثم إنه سبحانه وتعالى لم يخذله في الدنيا بل جعل ثمرة صبره في ذلك الاختبار الصعب أن ملكه على خزائن مصر.