فهرس الكتاب
أما إذا قابل العبد المبتلى مصيبته بالجزع والسخط لحكم الله فإنه يعرض نفسه لغضب الله تعالى، والخسران والخيبة يوم القيامة، يقول جل ذكره: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } (1) .
ويقول جل شأنه: { إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا } (2) .
وللجزع صور كثيرة نذكر بعضًا منها:
1 ـ الشكوى لغير الله والإكثار من التأفف من الحال والبلاء، والسب والشتم للمصيبة، فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال: «ما لكِ يا أم السائب، أو يا أم المسيب تزفزفين؟ قالت: الحمّى لا بارك الله فيها، فقال: لا تسبي الحمّى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يُذهب الكير خبث الحديد» (3) .
وقال علي رضي الله عنه: من إجلال الله ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك، ولا تذكر مصيبتك (4) .
وهناك فرق بين الشكوى من المرض والإخبار عن المرض، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في وجعه: «وارأساه» (5) ، وقول سعد: يا رسول
الله قد اشتد بي الوجع وأنا ذو مال، وقول عائشة: وارأساه.
وأعظم الشكوى وأبغضها في حال النعمة والخير والبركة، كما يفعله بعض الناس عندما ينظر إلى النعمة التي أنعم الله بها عليه في مقابل غيره فيجدها أكثر منه فيشتكي وهذا من التشكي الخفي الذي يتسلل منه الشيطان ليفسد على الصالحين صلاحهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
(1) سورة الحج، الآية 11.
(2) سورة المعارج، الآيات 19-21.
(3) صحيح مسلم، رقم 6570، ص1128.
(4) مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة، ص349.
(5) صحيح البخاري، رقم 7217، ص1243.