الصفحة 45 من 53

ولا يقال: إن الجهاد مبني على هلكة النفس والمال في سبيل الله، لأن تلك المقالة إنما تنطبق على الممارسة العملية في ساحة الجهاد، من جهة المعلوم ضرورة من سقوط شهداء في المعركة، وذلك غير مانع للجهاد؛ بل هو من ثمرات الجهاد المباركة؛ إذ المسلم يرجو منه إحدى الحسنين النصر أو الشهادة، أما الهلكة بدون الجهاد؛ كما لو كانت الطريق للجهاد منقطعة، أو مؤدية للهلاك.

فطلب الهلكة في ذلك ليس مما انبنى عليه وجوب الجهاد؛ بل ذلك من مسقطات الإثم عمن لم يجد الطريق الآمن، على نحو إسقاط الله تعالى الإثم عمن لم يهاجر؛ لعدم تمكنه من طريق آمن للهجرة، لما هو فيه من استضعاف وقلة حيلة.

وهذه نقطة هامة، لأن الفقهاء حين نصوا على حالة كون الجهاد فرض عين، إنما تحدثوا عن الأصل العام في الحالة الطبيعية؛ التي لا يحول فيها حائل بين العبد وبين الجهاد، ولم يتحدثوا عن الاستثناءات في حق بعض الأشخاص؛ الذين تلم بهم بعض الأعذار، التي لا يستطيعون معها الجهاد، والتي منها عدم الاهتداء إلى طريق للجهاد، أو وجود من يمنعه من سلوكه.

ومن ثم نعلم أن ما يمارسه البعض من ضغوط على الشباب، بمطالبتهم بالسفر، وإيجابه عليهم كلما وقع جهاد في بلد من البلدان، بناء على تلك النصوص الفقهية، دون اعتبار لحال العجز والتعرض للهلكة، ووجود الموانع، لهو نوع من الاستدلال في غير محله، ينشأ عنه تعرض الشاب للتمزق النفسي، بين شعوره بالعجز، وشعوره بالإثم، في آن واحد؛ لأنه فهم أنه آثم بتركه الجهاد، وفي نفس الوقت يشعر بوجود الخطر المانع له من السفر للجهاد، فإما أن يترك السفر للجهاد، مع تألمه وتأنيب نفسه ليل نهار، بسبب ما دمغه به المنكرون عليه، من الإثم والتخاذل إلى غير ذلك، وإما أن يلقي بنفسه إلى الهلكة، في مجرد السفر مع غلبة ظنه وقناعته بالتعرض للأذى أو الهلاك، دون أن يصل للجهاد، لكنه يفعل ذلك، لينجو من وصمة الإثم والعار، بقعوده عن الجهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت