فهرس الكتاب
ثم إذا وقع المحذور، ووجد نفسه في العذاب والأغلال، وهو ما توقعه من قبل، دارت في نفسه صراعات، وهل كان ما فعله هو الصواب أم كان الأفضل التأني؟، وهل كان الجهاد سيقوى به بالفعل، أم كان سفره غير مفيد للمجاهدين؟، وهل كان السفر مع التعرض للهلكة واجبًا عليه بالفعل، ووجب على جميع أمثاله، أم أن الحكم يختلف من شخص لآخر، ومن حال لحال، ولا يعمم حكم واحد على الجميع؟.
إلى آخر تلك الهواجس والتساؤلات، والحوارات والأحاديث، التي تدور وتتصارع داخل النفس، وتحدث فيها من التعب والضنى والتمزق ما تحدثه، لا سيما إذا أوذي بسببه أهلُه وجيرانُه وأصحابُه، من رجال ونساء.
هذا فيما يتعلق بالموانع وحالة العجز، أما ما ذكرناه أولًا مما قرره الفقهاء في تعين الجهاد، واتساع دائرة الوجوب من بلدة لأخرى، حتى يتم دفع العدو والتغلب عليه، فإنما أرادوا به تحقيق النصرة لمن وقع عليهم الاعتداء، والتمكن من دفع العدو الصائل، ولا يليق أن ينفك الحكم عن علته، أو أن يكون غير محقق للمقصود، وهذا نقوله بسبب تغير صور الجهاد وآلاته، وما يحتاجه المجاهدون، وما يمكن به حسم المعركة، وما لا يمكن، إلى غير ذلك مما تتغير به موازين القوى.
فالحكم الذي قرره الفقهاء، يمكن، على سبيل المثال، تطبيقه وتحقيق المقصود منه، إذا خوطبت به دول وحكومات مجاورة لبلد الجهاد، تتبنى قضية الإسلام؛ بحيث يتوفر لأهل البلدة المحتلة ما يمكنهم به دفع العدو بالفعل؛ إذ الغالب في هذا الزمان قيام الحروب على آليات حديثة، أكثر من قيامها على تكثير عدد الأفراد بدون تحصيل تلك الآليات.