فهرس الكتاب
فقال الشافعية والمالكية [1] : مدة الأمان كالهدنة لا تزيد على أربعة أشهر, وإذا لم يكن المستأمن سفيرا أو رسولًا سياسيًّا، فتنتهي مدته بانتهاء مهمته، وذلك في حالة توافر القوة للمسلمين، أما إن كانوا في ضعف، فينظر الإمام في تقدير المدة, ويجوز له حينئذ مد أجل الأمان إلى عشر سنوات كالهدنة.
وإن أطلق الأمان عن التوقيت حمل على أربعة أشهر، وهذا كله في أمان الرجال, أما النساء فلا يحتاج في أمانهن إلى تقييد مدة، وإذا انتهت مدة الأمان يبلغ المستأمن مأمنه.
وقال الحنفية والشيعة الإمامية والزيدية [2] : إن مدة الأمان لا تبلغ السنة, وتكون بمقدار الحجة، حتى لا يصير المستأمن عينًا (جاسوسًا) على المسلمين, وعونًا عليهم ودليلهم؛ مراعاة الضرورة أو الحاجة.
ووسع الحنابلة [3] أكثر من غيرهم، فأجازوا عقد الأمان بدون دفع جزية لكل من المستأمن والرسول السياسي مطلقًا، أو مقيدًا بمدة, سواء أكانت المدة طويلة أم قصيرة، بخلاف الهدنة فإنها لا تجوز إلا مقيدة.
وقد حدث في تاريخنا أن امتد أجل الأمان بالرسل والمبعوثين السياسيين لمدة ثلاث أو أربع سنوات في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور, والخليفة هارون الرشيد [4] .
ودليلهم قياس غير الرسول أو السفير على الرسول السياسي, بناء على أن العلة في كل هو وصف الرسالة، فما جاز للرسول بحسب الحاجة يجوز لغيره.
ويظهر أن رأي الحنفية هو المتوسط المعقول المحقق للمطلوب.
2 -مدة الهدنة: اتفق الفقهاء على أنه لابد أن تكون الهدنة مقدرة بأجل معين، فلا تصح المهادنة مطلقة إلى الأبد من غير تقدير مدة، وإنما هي عقد مؤقت، كيلا يؤدي إلى تعطيل الجهاد، ولا يجوز في رأي جماعة من الفقهاء أن تزيد عن عشر سنوات كالمدة التي في صلح الحديبية.
إلا أن الشافعية نصوا على أن تأقيت الهدنة هو بالنسبة لنفوس الرجال, أما الأموال فيجوز العقد عليها مؤبدًا، وتصح المهادنة مع النساء من غير تقيد بمدة.
وأجاز أبو حنيفة وأحمد أن تزيد المدة عن عشر سنوات حسبما تقتضي الحاجة, فليست المدة المذكورة في صلح الحديبية وهي عشر سنوات هي الحد الأقصى، وإنما هي حالة من الحالات؛ لعموم قومه تعالى: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) .
(1) الأم: 4/ 111، الوجيز للغزالي: 2/ 194، تحفة المحتاج: 8/ 561، أحكام القرآن لابن العربي: 2/ 883.
(2) شرح السير الكبير: 1/ 320، الفتاوى الهندية: 2/ 234، البحر الزخار: 5/ 450، الخلاف في الفقه للطومي: 2/ 512.
(3) المحرر في الفقه الحنبلي: 2/ 180، كشاف القناع: 3/ 82.
(4) السلم والحرب في الشريعة الإسلامية للأستاذ مجيد خضوري: ص 247.