فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 34

ويمكن التوفيق بين الرأيين بناء على فكرة المعاهدات المؤقتة القابلة التجديد بتحديد مدة عشر سنوات تتجدد تلقائيًّا عند الحاجة، إلا إذا أبلغ أحد الطرفين الآخر بعدم رغبته في التجديد.

وتفصيل الرأيين فيما يأتي:

يرى الشافعية وجماعة الحنابلة والإمامية [1] أنه إذا كان بالمسلمين قوة, فمدة الهدنة تتراوح ما بين أربعة أشهر وما دون السنة في الأظهر؛ لقوله تعالى:

(بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) [التوبة: 1 - 2] ، ولأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هادن صفوان بن أمية أربعة أشهر عام فتح مكة، ولا تبلغ المدة سنة؛ لأنها مدة تجب فيها الجزية.

فإن كان بالمسلمين ضعف، فتجوز الهدنة لعشر سنين فقط فما دونها بحسب الحاجة؛ لأن هذا غاية مدة الهدنة، بدليل أنه -صلى الله عليه وسلم- هادن قريشًا في الحديبية هذه المدة [2] .

فإن لم يقوى المسلمون طوال تلك المدة، فلا بأس أن يجدد الإمام مدة مثلها أو دونها؛ رجاء أن يقووا، وإذا انقضت المدة، ولحاجة باقية، استؤنف العقد.

ويرى الحنفية والمالكية وأحمد في ظاهر كلامه والزيدية [3] : أنه ليس للهدنة مدة معينة، وإنما ذلك متروك لاجتهاد الإمام وقدر الحاجة؛ لأن المهادنة جائزة لمدة عشر سنين، فتجوز الزيادة عليها كعقد الإجارة، بحسب حاجة المسلمين ومصلحتهم, فإن المصلحة قد تكون في الصلح أكثر منها في الحرب، وذلك ما حدث فعلًا عقب صلح الحديبية, فإنه كان أعظم فتح في الإسلام؛ لنشر الإسلام سلميًّا في مكة وما جاورها.

وهذا الرأي الذي يجوز الهدنة على أي مدة بحسب الحاجة من قبل المسلمين هو الأولى بالاتباع، استدل ابن القيم وغيره على ذلك بمصالحة الرسول -عليه الصلاة والسلام- أهل خيبر لما ظهر عليهم، على أن يجليهم متى شاء. قال: ولم يجئ بعد ذلك ما ينسخ هذا الحكم البتة، فالصواب جوازه وصحته [4] .

وبه يظهر جواز عقد صلح طويل الأمد مع غير المسلمين، عملًا بالراجح لدي في أن الأصل في العلاقات الخارجية هو السلم لا الحرب، ولأن الآية صريحة بجواز مثل هذا الصلح، وهي قوله تعالى: (وَإِن

(1) الأم: 4/ 110، نهاية المحتاج: 7/ 235، المحلى على المنهاج: 4/ 237، المغني: 8/ 460، كشاف القناع: 3/ 88، الاختيارات العلمية لابن تيمية ص188، الروضة البهية للإمامية جـ1 ص22.

(2) زاد المعاد لابن القيم: 2/ 76.

(3) فتح القدير: 4/ 293، الخرشي: 3/ 175. ط أولى، فتح العلي المالك: 1/ 333، الشرح الكبير للدردير: 2/ 290، البحر الزخار: 5/ 446، المغني، وزاد المعاد: المكان السابق.

(4) زاد المعاد: 2/ 77.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت