فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 34

جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا)، وقوله: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) [النساء: 90] ، وهي آية محكمة لا دليل على نسخها، ولأن الإبقاء على الصلح الطويل الأمد يقتضيه واجب الوفاء بالعهد، وليس في القرآن الكريم نص صريح على منع هذا الصلح. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لما بلغه أن من صالحهم يريدون النقيض: «وفوا لهم، واستعينوا بالله عليهم» [1] .

3 -عهد الذمة: أن عقد الذمة أو الجزية هو معاهدة سليمة دائمة من غير المسلمين للاستيطان في دار الإسلام؛ لأن الله تعالى جعل غاية القتال الوصول إلى قبول المعاهدة مع المسلمين، فقال سبحانه: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ [2] عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: 29] .

والمراد من الصغار: التزام أحكام الإسلام، والمقصود من إعطاء الجزية بالإجماع: هو القبول والالتزام، فعقد الذمة لا مدة له، وإنما هو بطبيعته «عهد دائم» ، أو «صلح دائم» لا ينتقص إلا بما يخل بمقصوده، أو يتنافى مع أغراضه، أو بمحاربة الذميين للمسلمين، أو عدم الالتزام بالأحكام الإسلامية، كما سيأتي بيانه.

وقد أوضحت أن الجزية ليست غاية القتال الأساسية، وإنما هي رمز وعلامة لولاء غير المسلمين وكفهم عن القتال ومصادرة الدعوة, واشتراك في مصالح الدولة نظير حماية أنفسهم وأموالهم [3] .

رابعًا: انضمام الغير للمعاهدات:

هناك في عصرنا في عالم القانون الدولي نوعان من المعاهدات:

معاهدات مقفلة، ومعاهدات مفتوحة، أما الأولى فهي التي لا تحتوي على نص يبيح انضمام الدول الأخرى إليها فيما بعد، فيلزم لانضمام الغير حصول مفاوضات مع أطراف المعاهدة الأصليين وقبولهم لهذا الانضمام، مثل معاهدة السوق الأوروبية المشتركة.

وأما الثانية: فهي التي تحوي نصًّا يبيح انضمام الغير إليها [4] ، مثل ميثاق الأمم المتحدة.

والنوعان معروفان في الإسلام، فالمعاهدات المقفلة: مثل الأمان العام لأهل بلد أو إقليم، وعقد الذمة لجماعة من غير المسلمين الذين يقبلون جنسية الدولة المسلمة.

وعقد الصلح المؤقت أو الهدنة: قد يكون من هذا النوع، وربما يكون من النوع المفتوح, وكان صلح الحديبية في السنة السادسة من الهجرة بين الرسول -عليه الصلاة والسلام- وبين مشركي مكة من نوع المعاهدات المفتوحة، إذ إنه ورد نص في هذا الصلح يبيح الانضمام إليه، وهو:

«من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه .. .» [5] .

وهذا نص واضح يبيح لباقي قبائل العرب الانضمام إلى جانب أحد المتعاقدين, فانضمت قبيلة بني بكر ودخلت في عهد قريش، ودخلت قبيلة خزاعة في عهد المسلمين.

خامسًا: موضوع المعاهدة وآثارها:

يشترط فقهاء القانون الدولي أن يكون موضوع المعاهدة ممكنًا ومشروعًا، ومشروعيته إذا كان مما يبيحه القانون، وتقره مبادئ الأخلاق.

واشترط فقهاء الإسلام في موضوع المعاهدة ما يأتي:

1 -أن تكون المعاهدة متفقة مع أحكام الشريعة، لا تصادم مبدأ من مبادئها؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «كل شرط ليس في كتاب الله باطل» . «المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا, أو أحل حرامًا» «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» [6] , بل إنه -عليه الصلاة والسلام- قبيل صلح الحديبية قال: «والذي نفسي بيده, لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» [7] .

فلا يجوز مثلًا الاتفاق على وقف نشر الدعوة الإسلامية، أو تعطيل الجهاد بصفة دائمة, أو التزام بالحياد الدائم، أو التخلي عن فئة إسلامية مستضعفه في مكان ما.

ولا يجوز مخالفة ما نصت عليه الأحاديث النبوية؛ مثل تحريم ظلم, «أو كلفه فوق طاقته, فأنا حجيجه يوم القيامة» فهذا الحديث لا يجيز ظلم المعاهدين في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ألا من ظلم معاهدًا, أو انتقصه» ، ولا يجيز أيضًا السماح بظلمهم, أو التمكين من ظلمهم؛ لأن «التقرير على الظلم مع إمكان المنع حرام» كما يقول الإمام السرخسي [8] . وهذا مبدأ ينسجم مع القاعدة العتيدة التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام, ألا وهو العدل بين الناس، مسلمين كانوا أو غير مسلمين،

(1) آثار الحرب للزحيلي: ص 680، العلاقات الدولية في الإسلام لأستاذنا المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة: ص 111.

(2) الجزية: ضريبة نقدية مفروضة على أشخاص غير المسلمين، مقابل حمايتهم والدفاع عنهم فإذا اشتركوا في الدفاع سقطت عنهم، وأقلها دينار إلى أربعة دنانير بحسب حال اليسار والفقر (راجع الأحكام السلطانية للماوردي ص 139) .

(3) شرح السير الكبير: 1/ 128، الفروق للقرافي: 3/ 12/ 24. ط الحلبي.

(4) مبادئ القانون الدولي العام للدكتور المرحوم محمد حافظ غانم، ص 504.

(5) نيل الأوطار: 8/ 31 - 39، تاريخ الطبري: 3/ 111.

(6) الحديث الأول: رواه البزار والطبراني عن ابن عباس وهو صحيح، والثاني: رواه الترمذي عن عمرو بن عوف وقال: هذا حديث حسن صحيح، والثالث رواه مسلم عن عائشة.

(7) رواه البخاري عن عروة بن الزبير عن المسور ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه.

(8) المبسوط: 10/ 82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت