وعند الحنابلة قال ابن قدامة: من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر لم يصر كافرًا لقوله تعالى: { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِن بِالإِيمَانِ } , ثمّ قال: من كان محبوسًا عند الكفّار ومقيّدًا عندهم في حالة خوفٍ , وقامت عليه بيّنة أنّه نطق بكلمة الكفر لم يحكم بردّته , لأنّ ذلك ظاهر في الإكراه وإن شهدت البيّنة أنّه كان آمنًا حال نطقه حكم بردّته .
ومن نطق بكلمة الكفر لإكراه وقع عليه , ثمّ زال عنه الإكراه أمر بإظهار إسلامه , فإن أظهره فهو باقٍ على إسلامه , وإن أظهر الكفر حكم أنّه كفر من حين نطق به , لأنّنا تبيّنّا بذلك أنّه كان منشرح الصّدر بالكفر من حين نطق به مختارًا له .
8 -ويتّفق الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وهو الأصح عند الشّافعيّة على أنّ الصّبر والثّبات على الإيمان مع الإكراه ولو كان بالقتل أفضل من الإقدام على الكفر حتّى لو قتل كان مأجورًا , لما ورد أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: « قد كان من قبلكم يؤخذ الرّجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشّط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه » .
ومقابل الأصحّ عند الشّافعيّة أوجه:
أحدها: الأفضل الإتيان بكلمة الكفر صيانةً لنفسه .
والثّاني: إن كان من العلماء المقتدى بهم فالأفضل الثبوت .
والثّالث: إن كان يتوقّع منه الإنكاء والقيام بأحكام الشّرع فالأفضل أن ينطق بها لمصلحة بقائه , وإلا فالأفضل الثبوت .
مخاطبة الكفّار بفروع الشّريعة:
11 -قال الزّركشي: حصول الشّرط العقليّ من التّمكن والفهم ونحوهما شرط في صحّة التّكليف , أمّا حصول الشّرط الشّرعيّ فلا يشترط في صحّة التّكليف بالمشروط خلافًا للحنفيّة وهي - المسألة - مفروضة في تكليف الكفّار بالفروع وإن كانت أعمّ منه .
والجمهور على جواز خطاب الكفّار بالفروع عقلًا .