أمّا خطاب الكفّار بالفروع شرعًا ففيه - كما قال الزّركشي - مذاهب:
القول الأوّل: أنّ الكفّار مخاطبون بفروع الشّريعة مطلقًا في الأوامر والنّواهي بشرط تقديم الإيمان بالمرسل كما يخاطب المحدث بالصّلاة بشرط تقديم الوضوء .
والدّليل على ذلك قوله تعالى: { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ } , فأخبر سبحانه وتعالى أنّه عذّبهم بترك الصّلاة وحذّر المسلمين به , وقوله تعالى: { وَالَّذِينَ ََلا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَََلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إََِلا بِالْحَقِّ وَََلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .
فالآية نصّ في مضاعفة عذاب من جمع بين الكفر والقتل والزّنا , لا كمن جمع بين الكفر والأكل والشرب .
وكذلك ذمّ اللّه تعالى قوم شعيبٍ بالكفر ونقص المكيال , وذمّ قوم لوطٍ بالكفر وإتيان الذكور . كما استدلوا بانعقاد الإجماع على تعذيب الكافر على تكذيب الرّسول صلى الله عليه وسلم كما يعذّب على الكفر باللّه تعالى .
وقد ذهب إلى هذا القول الشّافعيّة والحنابلة في الصّحيح , وهو مقتضى قول مالكٍ وأكثر أصحابه , وهو قول المشايخ العراقيّين من الحنفيّة .
القول الثّاني: إنّ الكفّار غير مخاطبين بالفروع وهو قول الفقهاء البخاريّين من الحنفيّة , وبهذا قال عبد الجبّار من المعتزلة والشّيخ أبو حامدٍ الإسفراييني من الشّافعيّة , وقال الإبياري: إنّه ظاهر مذهب مالكٍ , وقال الزّركشي: اختاره ابن خويزمنداد المالكي .
قال السّرخسي: لا خلاف أنّهم مخاطبون بالإيمان والعقوبات والمعاملات في الدنيا والآخرة , وأمّا في العبادات فبالنّسبة إلى الآخرة كذلك .
أمّا في حقّ الأداء في الدنيا فهو موضع الخلاف .