ثم عاد وطلب أن أكتب بخطي أي شيء كان . فقلت: فما الذي أكتبه ؟ قال: مثل العفو، وألا تتعرض لأحد . فقلت: نعم هذا أنا مجيب إليه، ليس غرضي في إيذاء أحد ولا الانتقام منه ولا مؤاخذته، وأنا عاف عمن ظلمني . وأردت أن أكتب هذا ثم قلت: مثل هذا ما جرت العادة بكتابته؛ فإن عفو الإنسان عن حقه لا يحتاج إلى هذا .
وتعلم أن الأمر لما جرى على هذا الوجه كاد بعض القلوب يتغير على الشيخ، وظنوا أن هذا الدرج قد أقر به؛ وأن ذلك يناقض ما كان يقوله ويرسل به . فجعلت أنا وأخي ندفع ذلك ونقول: هذا من فعل ابن مخلوف؛ وقد تحققت أنا أن ذلك من عمل ابن مخلوف .
ويعرف الشيخ أن مثل هذه القضية التي قد اشتهرت وانتشرت لا تندفع على هذا الوجه فأنا أبذل غاية ما وسعني من الإحسان، وترك الانتقام، وتأليف القلوب؛ لكن هو يعرف خلقا كثيرا ممن بالديار المصرية؛ وأن الإنسان لا ينجو من شرهم وظلمهم إلا بأخذ طريقين:
أحدهما مستقر، والآخر متقلب .
الأول: أن يكون له من الله تأييد وسلطان، والتجاء إليه، واستعانة به، وتوكل عليه، واستغفار له، وطاعة له، يدفع به عنه شر شياطين الإنس والجن . وهذه الطريقة هي الثابتة الباقية .
والطريق الثاني: إن جاء من ذي جاه، فإنهم يراعون ذا الجاه ما دام جاهه قائما؛ فإذا انقلب جاهه كانوا من أعظم الناس قياما عليه هم بأعيانهم؛ حتى أنهم قد يضربون القاضي بالمقارع ونحو ذلك مما لا يكاد يعرف لغيرهم، أعداءه ومبغضون كثيرون، وقد دخل في إثباتات وأملاك وغير ذلك تعلقة بالدولة وغير الدولة .