فلو حصل من ذوي الجاه من له غرض في نقض أحكامه ونقل الأملاك كان ذلك من أيسر الأمور عليه: إما أن يكتب ردته؛ وأحكام المرتد لا تنفذ، لأنه قد علم منه الخاص والعام أنه جعل ما فعل في هذه القضية شرع محمد بن عبدالله، والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه؛ أو حرم الحلال المجمع عليه؛ أو بدل الشرع المجمع عليه؛ كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء . وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة: 44 ] . أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله .
ولفظ الشرع يقال في عرف الناس على ثلاثة معان:
[ الشرع المنزل ] . وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا يجب اتباعه، ومن خالفه وجبت عقوبته .
والثاني [ الشرع المؤول ] . وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه فهذا يسوغ اتباعه، ولا يجب ولا يحرم وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به، ولا يمنع عموم الناس منه .
والثالث [ الشرع المبدل ] . وهو الكذب على الله ورسوله أو على الناس بشهادات الزور ونحوها؛ والظلم البين فمن قال إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع، كمن قال إن الدم والميتة حلال ـ ولو قال هذا مذهبي ونحو ذلك .
فلو كان الذي حكم به ابن مخلوف هو مذهب مالك أو الأشعري لم يكن له أن يلزم جميع الناس به، ويعاقب من لم يوافقه عليه باتفاق الأمة، فكيف والقول الذي يقوله ويلزم به هو خلاف نص مالك وأئمة أصحابه؛ وخلاف نص الأشعري وأئمة أصحابه كالقاضي أبي بكر وأبي الحسن الطبري وأبي بكر بن فورك وأبي القاسم القشيري وأبي بكر البيهقي ؟ وغير هؤلاء كلهم مصرحون بمثل ما قلناه وبنقيض ما قاله .