الفرع الثاني
حكم شهادة الأعمى
الاعتماد على اليقين هو الأصل في باب الشهادة وإنما يعدل عنه عند عدم الوصول إليه إلى ظن يقترب منه على حسب الطاقة [1] ، ويكون ذلك عن طريق السمع الذي لا يحصل به الإدراك أي: المعرفة يقينا بل يفيد غلبة الظن [2] .
ويدرك بالعقل مع السمع الكلام [3] ، وهو ما يعبر عنه في باب الشهادة بالأقوال كالبيع والنكاح وغيرهما، ويلحق بهذا النوع أمور مؤبدة يعسر إثبات ابتدائها بطول المدة عليها فمست الحاجة إلى إثباتها بالتسامع كالنسب والموت [4] . وهذان النوعان يثبتان بالسماع وهناك أشياء تدرك بالعقل مع حاسة البصر كالأجسام والأعراض والمبصرات [5] ، وتعرف في باب الشهادة بالأفعال كالقتل والسرقة والزنا والرضاع، ولم تجز الشهادة على هذه الأمور إلا عن مشاهدة؛ لأنها لا تعلم إلا بها [6] .
فهذه الأحوال التي تدور عليها حالة المشهود عليه، وهذا يستدعى تقسيم القول في هذه القضية إلى مسألتين:
المسألة الأولى: حكم شهادة الأعمى على الأفعال.
المسألة الثانية: حكم شهادة الأعمى على ما يثبت بالسماع.
المسألة الأولى: حكم شهادة الأعمى على الأفعال.
يرى جمهور الفقهاء عدم جواز شهادة الأعمى على الأفعال المرئية كالسرقة والقتل والزنا؛ لاشتراطهم البصر في الشاهد وقت تحمل الشهادة، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والزيدية؛ لأن الأفعال طريقها المشاهدة وذلك لا يمكن حصوله من الأعمى [7] .
فالأعمى يعتمد على سماع الصوت، والأصوات تتشابه ويتطرق إليها التخييل والتلبيس [8] ، هذا في تحمل الأعمى للشهادة على الأفعال.
أما إذا تحمل الشهادة وهو بصير ثم عمي بعد ذلك، فقد ثار الخلاف بين الفقهاء على قبول شهادة الأعمى في هذه الحالة على النحو التالي:
(1) الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للشربيني: (2/ 640) ط. البابي الحلبي وشركاه.
(2) إعانة الطالبين: (4/ 299) .
(3) معين الحكام: (1/ 68) .
(4) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج لشمس الدين بن شهاب الرملي: (8/ 319) ط. محمد محمود الحلبي وشركاه.
(5) إعانة الطالبين: (4/ 299) .
(6) معين الحكام: (1/ 68) .
(7) انظر: شرح فتح القدير للكمال بن الهمام: (7/ 397) ط. دار الفكر بيروت، مواهب الجليل للحطاب: (8/ 154) ، ط. دار الفكر بيروت لبنان، الأم: (7/ 46) ، النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر لشمس الدين بن مفلح: (2/ 290) ط. مكتبة المعارف 1404هـ، السيل الجرار: (4/ 199) .
(8) روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي: (11/ 260) ط. دار الكتب العلمية بيروت.