المبحث الأول
بين الرؤية والشهادة
ويحتوى على مطالب:
المطلب الأول
صلة الرؤية بالشهادة
إن الناظر في كتب اللغة يلحظ قرب الصلة بين الرؤية والشهادة من الناحية اللغوية، فالشهادة لغة من: المشاهدة بمعنى: المعاينة، والشاهد: هو العالم الذي يبين ما علمه ومنه قوله تعالى: (( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) ) [1] ، ومعنى شهد الله: أي علم الله، وبين الله؛ لأن الشاهد هو العالم الذي يبين ما علمه، وشهدت الملائكة لما عاينت من عظيم قدرته، وشهد أولو العلم بما يثبت عندهم، وأشهد بكذا أي: أحلف، وشهد له بكذا أي: أدى ما عنده من الشهادة فهو: شاهد، والجمع: شهد، أشهده على كذا فشهد عليه، واستشهده: سأله أن يشهد [2] .
والرؤية في اللغة تقارب معنى الشهادة المذكورة آنفا؛ لأن رؤية العين: معاينتها للشيء، يقال: رؤية العين ورأي العين، (ورأى فلانا الشيء) جعله يراه، وارتأى الشيء: أبصره، والرؤية: النظر بالعين والقلب. يقال: تراءينا الهلال: أي تكلفنا النظر إليه هل نراه أو لا؟ وتستعمل الرؤية بمعنى العلم [3] قال تعالى: (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الكِتَابِ ) ) [4] أي: ألم تعلم، أو ألم ينته علمك إلى هؤلاء.
نلحظ مما سبق أن من معاني الشهادة والرؤية (المعاينة للشيء والعلم به) وتنفرد الشهادة عن الرؤية بإطلاق معنى الحلف، والأداء عليها.
أما المعاني التي اصطلح عليها الفقهاء لكل من الرؤية والشهادة، فهي كالتالي:
أولا: بالنسبة للرؤية:
يرى الحنفية [5] أن الرؤية هي العلم بالمقصود من باب عموم المجاز؛ فصارت الرؤية من أفراد المعنى المجازي؛ لتشمل ما يعرف بالشم أو الذوق، أو اللمس، ووافقهم في ذلك الحنابلة [6] واستعمل المالكية [7] الرؤية مرادا بها الرؤية البصرية، بينما نجد الشافعية، والزيدية، والإمامية، والإباضية قد خصوا الرؤية بالمعاينة بمعنى: المشاهدة [8] .
(1) سورة آل عمران الآية (18) .
(2) لسان العرب لابن منظور: (4/ 2348) ط دار المعارف، مختار الصحاح للرازي: (1/ 174) المطبعة الأميرية بالقاهرة.
(3) انظر: مختار الصحاح (1/ 154) ، معجم مقاييس اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس: (2/ 472) ط. دار الجيل، المصباح المنير للفيومي: (1/ 247) ط. دار الفكر، لسان العرب: (5/ 84/94) .
(4) سورة آل عمران جزء من الآية 23.
(5) مجمع الأنهر للشيخ عبد الله المعروف بـ: دامادي أفند: (2/ 240) / ط. دار إحياء التراث العربي.
(6) كشاف القناع للبهوتي: (3/ 163) ط. دار الفكر.
(7) حاشية الدسوقي للشيخ محمد بن عرفة الدسوقي: (3/ 21) ط. دار إحياء الكتب العربية.
(8) انظر: مغني المحتاج للشربيني: (2/ 356) ط. دار الكتب العلمية، والسيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار لمحمد بن علي الشوكاني: (3/ 98) ط. دار الكتب العلمية، جواهر الكلام لمحمد حسن النجفي: (23/ 92) ط. دار إحياء التراث العربي، شرح كتاب النيل وشفاء العليل لمحمد بن يوسف أطفيش: (8/ 235) ط. سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة.