الراجح: بالنظر في تعريفات الفقهاء السابقة للرؤية يترجح تعريف الحنفية والحنابلة؛ لنظرتهم الشاملة للرؤية وأنها العلم بالمقصود وليس المقصود منها الإبصار فقط.
سبب الرجحان:
أن الرؤية أعم من ذلك، وهي: المعاينة بالحس، سواء أكان بالبصر أم بغيرة، فالمعتبر في رؤية كل شيء يختلف عن غيره حسب الحاجة إليه واستعماله [1] .
ثانيا: أما الشهادة في اصطلاح الفقهاء: فيرجع تعريفهم لها إلى مستند علم الشاهد، ذلك أن مستند علم الشاهد يرتكز على أمرين أساسيين في الأغلب هما: الرؤية، والسماع، فلا يجوز لشاهد أن يشهد إلا بما يعلمه برؤية أو سماع، دل على ذلك قوله تعالى: (( إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ) [2] ، وقوله تعالى: (( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ) ) [3] .
ففي الآية الأولى: دلالة على أن العلم لابد منه في الشهادة [4] ، وفي الآية الثانية: دلالة على أن كل ما علمه الإنسان أو غلب على ظنه جاز أن يحكم به، فالفؤاد يسأل عما افتكر فيه واعتقده، والسمع والبصر عما رأي من ذلك وسمع [5] .
ومن الأشياء التي يدرك بها العلم: العقل مع الحواس؛ فيدرك بالعقل مع حاسة السمع الكلام، ويدرك بالعقل مع حاسة البصر جميع الأجسام والأعراض والمبصرات، ويدرك بالعقل مع حاسة الذوق جميع الطعوم والمذوقات، ويدرك بالعقل مع حاسة اللمس جميع الملموسات على اختلاف أنواعها [6] .
ونظرا لأن الرؤية والسماع هما الأغلب في الشهادة، فقد عرفها الإمام النسفي من الحنفية [7] بأنها:
إخبار عن مشاهدة وعيان لا عن تخمين وحسبان. وقد أوضح ابن نجيم مراد المصنف من تعريفه هذا بأن المشاهدة هي: المعاينة، والعيان تأكيد له، والتخمين: الحدس، والحسبان (بكسر الحاء) : الظن، والرؤية التي تحصل بها المعاينة طريق للشهادة في الأفعال كالقتل، والغصب، والسرقة، وشرب الخمر، والرضاع، والولادة وغيرها، ومن ذلك الصفات المرئية كالعيوب في المبيع ونحوها [8] .
(1) بدائع الصنائع للكاساني: (5/ 435) ط. دار الفكر الطبعة الثانية 1411هـ - 1990م، والمغني لابن قدامه: (6/ 32) ط. هجر.
(2) سورة الزخرف من الآية 86.
(3) سورة الإسراء الآية رقم 36.
(4) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي: (25/ 707) ط. دار الكتب العلمية 1415هـ/ 1994م، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (8/ 89) ط. دار الفكر 1422هـ/ 2002م.
(5) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (5/ 188،189) .
(6) معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام لعلاء الدين أبي الحسن الطرابلسي الحنفي (ص68) الطبعة الثانية 1393هـ/ 1973م. ط. مصطفى الحلبي وأولاده بمصر.
(7) البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم الحنفي: (7/ 94) الطبعة الثانية. دار الكتاب الإسلامي.
(8) الشرح الكبير لشمس الدين أبي فرج بن قدامه المقدسي: (29/ 262) ط. هجر، ومعه (المقنع والإنصاف) .