الصفحة 6 من 55

وعند المالكية الشهادة هي: إخبار حاكم عن علم؛ ليقضي بمقتضاه [1] . فالمدار عندهم حصول علم الشاهد بما شهد به دون تقيد بلفظ خاص أو صيغة معينة [2] ، والحرص على علم الشاهد بما يشهد عليه، ذكر ذلك عند الشافعية أيضًا، فقد قال الشافعي -يرحمه الله-: ولا يسع شاهد أن يشهد إلا بما علم، والعلم من ثلاثة وجوه: منها ما عاينه الشاهد فيشهد بالمعاينة، ومنها ما سمعه فيشهد ما أثبت سمعا من المشهود عليه، ومنها: ما تظاهرت به الأخبار مما لا يمكن في أكثره العيان، وتثبت معرفته في القلوب فيشهد عليه بهذا الوجه [3] .

والشهادة عند الشافعية: إخبار عن الشيء بلفظ خاص، والمراد باللفظ الخاص أشهد لا غير [4] . وهذا هو المعنى الذي ذكره الحنابلة عند تعريفهم للشهادة، فالشهادة عندهم: الإخبار عما شوهد أو علم [5] .

وبعد عرض وجهات نظر الفقهاء في النظر للشهادة والرؤية يتضح لنا أن نظرتهم الاصطلاحية للرؤية تدور بين العلم أو الرؤية البصرية أو المعاينة بمعنى: تدقيق النظر، لكن عند تعريفهم للشهادة دارت اصطلاحاتهم حول العلم بالمقصود، ويتقدم مراتب هذا العلم البصر إذ هو أعلاها في باب الشهادة؛ لأنها مشتقة من المعاينة، ويلي ذلك السماع، فهناك أشياء يتوقف إدراكها على السماع كالنسب والموت والملك، ثم بعد ذلك تأتي بقية الحواس حسب طبيعة المشهود عليه إن كان يدرك بالشم أو الذوق أو اللمس.

نستخلص من هذا كله أن الشهادة والرؤية يتفقان في أن العلم لفظ يستعمل فيهما معا، وبينهما عموم وخصوص، فالشهادة أعم من الرؤية، فالرؤية قد خصها بعض الفقهاء كالمالكية بالرؤية البصرية. بينما تدرك الشهادة بأمور أخرى غير الرؤية البصرية.

ويعنى بمصطلح الرؤية في الشهادة في هذا البحث: العلم بالمشهود به، وذلك يكون في الغالب بالرؤية والسماع.

(1) حاشية الدسوقي: (4/ 165) .

(2) جواهر الإكليل شرح مختصر خليل للشيخ صالح عبد السميع الأبي الأزهري: (2/ 223) ، المكتبة الثقافية بيروت.

(3) الأم، لمحمد بن إدريس الشافعي: (7/ 95) ط. دار الفكر 1410هـ - 1990م.

(4) إعانة الطالبين للسيد البكري: (4/ 273) ط. إحياء الكتب العربية.

(5) المبدع شرح المقنع لشمس الدين بن مفلح: (10/ 88) ط. منشورات المكتب الإسلامي بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت