وأجاز المالكية شهادة الأخرس ويؤديها بإشارة مفهمة، فإشارته المفهمة كعبارة الناطق في نكاحه وطلاقه فكذلك في الشهادة، وهذا قول عند الشافعية أيضًا [1] .
ويناقش قول المالكية ومن معهم بأن إشارته تكون معتبرة في موضع الضرورة كنكاحه وطلاقه، ولا ضرورة إلى شهادته؛ لأنها تصح من غيره بالنطق [2] .
ومن شروط الشاهد العدالة: وهي: الاستقامة، والعدل: أن يكو مجتنبا للكبائر [3] ، غير مصر على الصغائر، وأن تكون مروءته [4] ظاهرة، فعدمها مفوت للشهادة.
وإنما اشترطت المروءة في العدالة؛ لأن من تخلق بما لا يليق وإن لم يكن حراما جره ذلك غالبا لعدم المحافظة على دينه واتباع الشهوات [5] .
والعدالة ليس لها حد يدرك مداه ويكتفى لقبولها بأدناه؛ كيلا تضيع الحقوق وهو رجحان جهة الدين والعقل على الهوى والشهوة [6] .
ومن شروط الشاهد: القدرة على التمييز بين المدعي والمدعى عليه [7] وذلك بالسمع والبصر في الغالب من أحوال المشهود عليه.
أما بالنسبة لاشتراط البصر في الشاهد فهذا يختلف بحسب نوع المشهود عليه، ذلك أنه إما أن يكون فعلا أو قولا، فإن كان المشهود عليه فعلا كالقتل، والسرقة، والزنا، والرضاع، والاستهلاك، وعيوب الزوجين، فلا خلاف بين الفقهاء [8] في اشتراط البصر في الشاهد حال تحمله للشهادة، وحجتهم في هذا: أن الشاهد يعلم القاضي حقيقة الحال، ويميز الصادق المخبر من الكاذب، ولا يتحقق ذلك منه إذا لم يعلم به، وطريق العلم المعاينة إذا كان المشهود به مما يعاين، وهذا يكون في الأفعال، فالشهادة عليه متوقفة على الرؤية التي يحصل بها العلم [9] .
واشتراط كون الشاهد مبصرا وقت الأداء اختلف فيه الفقهاء على النحو التالي:
يرى جمهور الفقهاء: عدم اشتراط المعاينة وقت الأداء وهذا رأي أبي يوسف من الحنفية، ومذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية [10] .
(1) حاشية الدسوقي: (4/ 168) ، التنبيه لأبي إسحاق الشيرازي: (1/ 269) ط. مصطفى البابي الحلبي.
(2) المهذب في فقه الإمام الشافعي لأبي إسحاق الشيرازي: (2/ 324) ط. دار الفكر 1414هـ/ 1994م.
(3) الكبيرة: ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة - الإقناع للحجاوي: (4/ 504) ط. دار هجر 1418 هجرية.
(4) المروءة: فعل ما يجمله، وترك ما يدنسه ويشينه عادة. المرجع السابق: (4/ 506) .
(5) حاشية الدسوقي: (4/ 166) .
(6) البحر الرائق: (7/ 161) ، وانظر التفصيل في مفهوم العدالة في المواضع التالية: حاشية الدسوقي: (4/ 164) ، الأم: (4/ 93) ، الكافي: (4/ 272) .
(7) المدعي: من يخبر عما في يد غيره لنفسه، والمدعى عليه: من يخبر عما في يد نفسه لنفسه - بدائع الصنائع: (6/ 343) .
(8) انظر: المبسوط للسرخسي: (16/ 116) ط. دار المعرفة بيروت - الطبعة الرابعة 1409هـ/ 1989م، حاشية الدسوقي: (4/ 167) ، مغني المحتاج: (4/ 446) ، المبدع: (10/ 194) ، السيل الجرار: (4/ 215) .
(9) المبسوط: (16/ 116) .
(10) حاشية الدسوقي: (4/ 167) ، إعانة الطالبين: (4/ 277) ، الكافي: (4/ 284) ، المحلى بالآثار لابن حزم الظاهري: (9/ 433) ط. دار الفكر، بيروت.