فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 47

وهنا نجد أن للفقهاء قولين في وجوب لزوم المعتدة منزلها الذي يتوفى به زوجها، وهي معه فيه، وإليك بيان ذلك:

القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية [1] ، والمالكية [2] ، والشافعية [3] ، والحنابلة [4] ، وغيرهم، إلى أن المرأة المعتدة تلزم محل منزلها، والذي توفي عنها زوجها وهي فيه للآية المذكورة، ولقوله تعالى: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولَا يَخْرُجْنَ) [5] ، ونرى أن الإمام الشافعي -رحمه الله- قال في هذه الآية: فكانت هذه الآية في المطلقات، وكانت المعتدات من الوفاة معتدات كعدة المطلقة، فاحتملت أن تكون في فرض السكنى للملطقات، ومنع إخراجهن تدل على أن في مثل معناهن في السكن وضع الإخراج المتوفي عنهن، لأنهن في معناهن في العدة [6] .

ولكن قد يقول قائل إن هذا الدليل فعلًا في المطلقات، وليس بصريح في المعتدة من وفاة.

لكن ما يرجح القول بعدم الإخراج، والتربص ولزوم المنزل، الآية الأولى، التي قال تعالى فيها: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [7] .

والتربص يأتي في اللغة بمعنى الانتظار، وكذلك أكد هذا الحكم المشار إليه في الآية الكريمة ما أخرجه الخمسة عن فريعة بن مالك -رضي الله عنها- قال: خرج زوجي في طلب العلاج له، فأدركهم في طرف القدوم، فتقلوه، فأتاني نعيه وأنا في دار شاسعة، من دو أهلي فذكرت ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة من دور أهلي، ولم يدع نفقة، ولا مالا ورثته، وليس المسكن له، فلو تحولت إلى أهلي وإخوتي لكان أرفق لي في بعض شاني، قال: «تحولي» فلما خرج من المسجد أو إلى الحجرة دعاني، أو أمر بي فدعيت، فقال: «امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله» .

قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: وأرسل عمر إلي عثمان فأخبرته فأخذ به [8] .

(1) شرح القدير (4/ 343) .

(2) جواهر الإكليل (1/ 391) ، المقدمات الممهدات (1/ 514) .

(3) زاد المحتاج (3/ 523) .

(4) الإنصاف (9/ 306) ، المغني (11/ 290) .

(5) الطلاق: (1) .

(6) الأم: (5/ 226) .

(7) البقرة: (234) .

(8) حديث صحيح: أخرجه مالك في الموطأ (2/ 591) ، وعنه: الشافعي في"الرسالة"ص: (4380) ، والمسند (2/ 53) ، ط: البنا، وأبو داود رقم (2300) ، والترمذي رقم (1204) ، والنسائي في الكبرى رقم (5726) وابن ماجه رقم (2031) ، وابن سعد (8/ 368) ، وغيرهم من حديث الفريعة بنت مالك. وفي بعض ألفاظه «امكثي في بيتك الذي جاء فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله» . والحديث صحيح: صححه مالك بروايته له في"الموطأ"مسندا واحتج به الإمام الذهبي فقال:"حديث صحيح محفوظ". وكذا الترمذي حيث قال:"حديث حسن صحيح"وكذا ابن حبان وابن الجارود، والحاكم وابن عبد البر، وغير هؤلاء. ينظر"الاستذكار" (18/ 179) لابن عبد البر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت