فهرس الكتاب
وبعد ذكر هذا الحديث قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم، ولم يروا للمعتدة أن تنتقل من بيت زوجها حتى تنقضي عدتها، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد وإسحاق [1] .
وروى مجاهد، قال: استشهد رجال يوم أحد، فجاء نساؤهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقلن: يا رسول الله، نستوحش بالليل، أفنبيت عند إحدانا، فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا؟ فقال: «تحدثن عند أحداكن، حتى إذا أردتن النوم فلتؤب كل واحدة إلى بيتها» [2] .
وهنا يتضح لنا من خلال تلك النصوص وغيرها أن المعتدة لا تبيت خارج منزلها، بل تتربص به حتى ينقضي أجل العدة، أما غير المبيت، كالخروج نهارا، فسأتحدث عنه بعد ذلك، وهذا هو الراجح عند الفقهاء وهو لزوم بيت الزوجية للمعتدة، وعدم الخروج منه، لأنه هو أصل الحكم الشرعي.
القول الثاني: للمرأة أن تعتد حيث شاءت, وإن لم تعتد بمنزل زوجها الذي توفي, وهي فيه.
وهو قول بعض أهل العلم من الصحابة كعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وجابر، وعائشة، وجابر بن زيد، والحسن، وعطاء [3] .
وذكره البغوي عن أبي حنيفة واختاره المزني من فقهاء الشافعية [4] وقال به ابن حزم الظاهري [5] .
واستدلوا بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ) [6] .
قال مجاهد - رحمه الله: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا قال: كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجبًا، فأنزل الله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) الآية.
قال: جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة، وصيته إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله ـ تعالى ـ: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) فالعدة هي واجبة عليها [7] .
وقال عطاء: قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت، وقوله تعالى: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ) قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهلها، وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت لقوله
(1) جامع الترمذي (3/ 510) ط دار إحياء التراث العربي.
(2) رواه البيهقي (7/ 436) بنحوه وهو مرسل.
(3) المغني (11/ 290) .
(4) شرح السنة البغوي (9/ 303) ط المكتب الإسلامي، بيروت.
(5) المحلي ابن حزم (10/ 282) .
(6) البقرة: (240) .
(7) تفسير القرطبي (3/ 226) دار الكتاب العربي، والقاهرة 1967م.