لقد اختلف العلماء في بعض الأحكام، أذكر منها هنا الذي لم أتناوله في الفقرات السابقة. منها: من فعل شيئًا من المفطرات ظانًا بقاء الليل أو غروب الشمس، فالأئمة الأربعة يرون وجوب قضاء هذا اليوم، والصحيح أنه ليس عليه قضاء، وبهذا أفتى بعض الأئمة كإسحاق ابن راهويه، وعروة، والحسن البصري، ومجاهد، وداود، وابن حزم، وابن تيمية، وغيرهم، ودليلهم أن الناس أفطروا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم طلعت الشمس، فقالوا أنقضي هذا اليوم؟ فقال عمر رضي الله عنه: «لمَ؟ والله ما تجانفنا لإثم» [رواه البيهقي] .
ولِما روى البخاري عن أسماء رضي الله عنها قالت: «أفطرنا يومًا من رمضان، في غيم، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس» .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا يدل على شيئين: (الأول) : يدل على أنه لا يُستحبّ مع الغيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب... (الثاني) : يدل على أنه لا يجب القضاء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لو أمرهم بالقضاء لشاع ذلك، كما نُقِلَ فطرهم فلما لم ينقل دلَّ على أنه لم يأمرهم به» . [أنظر فقه السنة لسيد سابق ص 413] .
ومنها: التقطير بالأنف، والأذن، والعين، والحقن سواء في الدبر، أو قبل المرأة، والإبر العضلية، والإكتحال، ذهب بعض العلماء إلى أن هذه من المفطرات وتوجب القضاء، والصحيح أنها ليست من المفطرات ولا توجب القضاء، وإلى هذا ذهبت الشافعية، وابن المنذر، وعطاء، والحسن البصري، والنخعي، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأبي الثور، وروي هذا عن ابن عمر، وأنس، وابن أبي أوفى، رضي الله عنه من الصحابة، وهذا هو مذهب داود، لأنه لم يصح في هذا الباب شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الترمذي [نفس المصدر ص 407] . وبمثل هذا أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.