ولكن بقيت سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تُروى (على العموم) مشافهة في دقة وتثبت وتمحيص شديد، إلا ما كان من بعض مُدوناتٍ خاصّة، لفترة من الزمن حتى أذن الله بالشروع في تدوينها (1) ؛ لما كثر ابتداع الناس، وظهر الوضَّاعون، وانتشرت الفرق كـ: الخوارج، والروافض، ومنكري القدر..
وأول من جمع ذلك بعد مَنْ كتبَ مِنَ الصحابة رضوان الله عليهم - كما ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني - الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما. وكانوا يصنفون كل باب على حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فدونوا الأحكام، حيث صنف الإمام مالك"الموطأ"وتوخى فيه القوي من أحاديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم. وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بمكة، وأبو عمرو بن الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - خاصة، وذلك على رأس المائتين (200 هـ) فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسندًا، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم...
وما زالت جهود المحدِّثين تتوالى إلى يوم الناس هذا، جمعًا وتأليفًا وشرحًا وتصحيحًا وتعليلًا قربة إلى الله، وخدمة للمصدر التشريعي الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية.
(1) المقصود هنا: تدوينها على مستوى عموم الأمّة، ومن المعروف أن تدوين السنّة على الإجمال مرّ بمرحلتين عامتين: مرحلة التدوين الشخصي/ الفردي، ومرحلة التدوين الرسمي للدولة/ العام، وقد قسّمهما بعض المعنيين إلى مراحل جزئية، وللاطلاع على شيء من ذلك يُرجى مراجعة ما كتبه د.يحيى البكري في مداخلته العلمية والتأريخية القيِّمة على هذا المشروع في آخر الكتاب.