الصفحة 32 من 46

وقد كان الزهري ممن اشتهر عنه كتابة السنن، قال صالح بن كيسان: اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم، فقلنا: نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبي صلى الله عليه، ثم قال: نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة، فقلت أنا: ليس بسنة فلا نكتبه، قال: فكتب ولم أكتب فأنجح وضيعت (1) .

فأخطأ البعض في فهم هذه النصوص، وبنوا عليه أن الحديث ظل أكثر من مئة سنة يتناقله العلماء حفظًا، دون أن يكتبوه. وهذا ما يشير إليه الحافظ الكبير ابن حجر (852هـ) فهو يقول: (اعلم - علمني الله وإياك - أن آثار النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تكن في عصر أصحابه وكبار تابعيهم مدونة في الجوامع ولا مرتبة؛ لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك كما ثبت في صحيح مسلم؛ خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لسعة حفظهم وسيلان أذهانهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار، لما انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكرى الأقدار) (2) .

(1) تقييد العلم (ص106 ـ 107) .

(2) انظر هدي الساري (1: 6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت