فهرس الكتاب
وفي هذه المرحلة ظهر الفرق واضحًا بين التدوين الذي هو مجرد جمع، والتصنيف الذي هو الترتيب والتبويب والتمييز بين المرويات حسب حُجِّيتها، ونسبتها.
وبعد فإني أشكر لأخي الأستاذ أحمد بن علي آل مريع، أن شرفني بقراءة مشروعه هذا والتعليق عليه، ولعلي بعد هذه التوطئة في فضل الحديث وأهله، وموضوعه، ومراحل تدوينه أبدأ بذكر أصول هذا المشروع تأريخيًا:
أصول مشروع جمع السنة:
بدأ مشروع جمع السنة في زمن عمر بن عبد العزيز (كما سبق) ولعل ما قام به الإمام محمد بن شهاب الزهري (124هـ) يعد أول محاولة لجمع السنة بشمول واستقصاء وفق مروياته، حيث قدمها لعمر بن عبدالعزيز ونسخت منها الدفاتر وبعثت إلى الأمصار (1) ، وقد بقيت أحاديث الزهري في خزائن الخلفاء يتداولونها (2) .
ثم نشطت مع بواكير التصنيف في القرن الثاني والثالث محاولة جمع المرويات في السنة، بحسب المروي عند كل مصنف، فظهرت الجوامع والمصنفات والموطآت، التي حوت الشيء الكثير من الحديث الشريف، وكانت طريقتهم في التصنيف جمع الأحاديث المتناسبة في باب واحد، يخلطونها بأقوال الصحابة، وفتاوى التابعين، وإن اختلفت المسميات فالمنهجية واحدة في الجوامع، والموطآت، والمصنفات، ثم ظهرت المسانيد واختلفت في طريقة تصنيفها وموضوعها، التي اقتصرت على المرفوع، ورتبت بجمع أحاديث كل صحابي على حدة.
قال الحاكم: (والفرق بين الأبواب والتراجم، أن التراجم شرطهما أن يقول المصنف: ذكر ما روي عن أبي بكر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يترجم هذا المسند فيقول: ذكر ما روى قيس ابن أبي حازم، عن أبي بكر رضي الله عنه صحيحًا أو سقيمًا) .
(1) جامع بيان العلم (1: 76) ، الحلية (3: 363) .
(2) قال عبد الله بن أحمد: (حدثني أبي ثنا عبدالرزاق قال سمعت معمرًا يقول: كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد، فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزانته يقول من علم الزهري) . الحلية (1: 361) .