فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 251

ثلج

حاول (كا) باعتباره صحفيًا، أن يستطلع أسباب ظاهرة انتحار بعض الفتيات المحجّبات في إحدي المدن التركية النائية، فوصفه الإسلاميون بأنه ملحد يريد إرواء غليل العلمانيين في أنقرة. وفي الوقت ذاته اتّهمه العلمانيون بالتعاطف مع الإرهابيين الذين لن يتورّعوا عن قطع رأسه إذا ما استولوا علي السلطة. أمّا الأكراد الذين لم يترددوا عن الشكوي إليه من بطالتهم واضطهاد السلطة لهم، فقد كانوا علي ريبة من صلته بذوي النزعة القومية العنصرية من العلمانيين والإسلاميين علي حدٍّ سواء. وبالنسبة لرفاقه القدماء من العسكر الذين كانوا ينتقدون صلاته بكل أولئك، كان مفترضًا به وجوبًا أن يكون مشاركًا لهم في انقلابهم المحدود للحفاظ علي المباديء الأتاتوركية. وفي معزل عن كلّ هؤلاء كانت دائرة المخابرات تعتبره مجرّد آلة تسجيل ينبغي أن تُفرِّغ المعلومات منها حول جميع تلك التيّارات، ولو تحت طائلة التعذيب!.

والواقع أنّ (كا) لم يكن مؤمنًا فيما مضي، لكنّه انتهي، فيما بعد، إلي أن يري قدرة اللّه مجسّدة حتي في حبّة الثلج النازلة من السّماء، ثم توصّل في آخر الأمر إلي أن يكون مجرّد (مواطن) متطلّع إلي سعادة الارتباط بجميع المواطنين علي اختلاف توجهاتهم برباط المواطنة ومباديء الإخاء والحرية والعدل والمساواة. لكنّه، في توجهه هذا، لم يجد له مكانًا آمنًا أبدًا وسط غابة تتعدّد فيها (الشّموليات) من حوله. ذلك أنّه بدلًا من أن يحظي بمودّة الجميع له واعترافهم به، وجدهم يرفضون نموذجه الوسطي والموضوعي، علي الرغم من ألحان الوجد التي تطلقها شعاراتهم عن الحرية، وعلي الرغم من إدعائهم الوصل جميعًا بليلي الإخاء والمساواة.

التعدّدية في مثل هذا المناخ ليست منافسة بين تيارات اجتماعية مختلفة من أجل الوصول إلي تحقيق الحرية للجميع والمساواة بين الجميع، بل هي سباق بين ديناصورات حديثة تحمل بين أنيابها الشّعارات وأصابع الديناميت معًا، للوصول الي ديمقراطية (القبيلة المنفردة بالسلطة) وتحقيق أقصي درجات العدل في توزيع بركات الإبادة علي كلّ التيارات الأخري!.

تلك هي خلاصة محنة (كا) كما يقدّمها الرّوائي التركي أورهان باموق في روايته الأخيرة (ثلج) .. ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا إنّها محنة باموق نفسه، ومحنة جميع الخارجين علي حظائر فرعون أو هامان أو قارون .. في هذا الشرق السعيد.

المسألة التي تُلحّ علي باموق في معظم أعماله هي محاولة فهم حالة بلاده تركيا التي شاءت الأقدار لها، جغرافيًا وتاريخيًا، أن تكون كتوأمين سياميين أحدهما رجله في آسيا والآخر رجله في أوروبا. ومن ثم محاولة التوصّل إلي صيغة حياة ممكنة لا تفرّط في الموروث الشرقي ولا تستغني عن مستجدات الحضارة الغربية التي يري فيها إغناءً للموروث، واستنهاضًا له للمشاركة، بعد سبات طويل، في صنع الحياة، والتقدّم بالحضارة الإنسانية إلي الأمام.

والواقع أنّ ما يصحّ بالنسبة لتركيا في هذا الشأن، يصحّ في التقويم النهائي، بالنسبة لكلّ بلاد الشرق التي كانت، ذات يوم، واقعة تحت نفوذ تركيا العثمانية، قبل أن تشيخ وتمرض وتُسلِّم الجَمل بما حمل لورثتها الغربيين. ولذلك فإنّ محاولة باموق، في النهاية، لا تختصّ بتركيا وحدها، بل بكلّ البلاد الشرقية، وهذا ما يجعلنا شخوصًا غير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت