فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 251

الحكيم الأخضر

كانوا ثلاثة إخوة يسيحون في أرض اللّه طلبًا للحكمة. وقد ألقوا عصا التّرحال، ذات ظهيرة، في بلدة هادئة، وجدوا في أحد طرقاتها المقفرة من المارّة، شيخًا طاعنًا في الذّهول، يجلس مستندًا إلي حائط بيت، تحت لهب الشمس الحامية، وكأنّه يستظلّ منها بها!.

كانت للشيخ لحية خضراء، وعليه ثوب أخضر، وتحت إبطه كتاب أخضر.

سلّم الإخوة عليه، فلم يردّ عليهم السّلام، بل وضع إصبعه عموديًا علي شفتيه، طالبًا منهم بالإشارة أن يلتزموا الصَمت، فألقوا عصا التّرحال أمامه، وتحلّقوا من حوله صامتين، وفي يقينهم أنّهم قد بلغوا الغاية.

تناول الشيخ (عصا ترحالهم) وهزّها في وجوههم، ثمّ انهال عليهم ضربًا، فتباعدوا عنه قليلًا. لكنّه تبسّم، وركز العصا أمامه، وراح ينبش الأرض بأناة، ويحثو التّراب عليهم، وهم في أثناء ذلك يتأمّلونه صامتين خاشعين. وما مضت ساعة حتّي كان الشيخ قد صنع حفرة، ما لبث أن زحف نحوها حتّي غطّاها بمؤخرته، ونشر حولها ثوبه، وارتعد صائحًا: (الطبيعة الطبيعة .. الأرض الأرض .. الفضاء الفضاء) .. وسكت فجأة، ثم ابتسم، ثمّ عبس، ثم بكي، ثم استغرق في الذّهول!.

قام الإخوة الثلاثة ينفضون التراب عن ثيابهم، وقبّلوا يد الشيخ تباعًا، ثمّ التقطوا عصا ترحالهم وانصرفوا.

وفيما كانوا سائرين بحثًا عن خانٍ يستظلّون به من القائلة، قال أكبرهم:

-الشّيخ أنبأنا بأنّ من حفر حفرة لأخيه وقع فيها!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت