فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 251

أتأمّل رأي مليكنا المفدّي، وأتساءل: ما الذّي تغيّر إلي الأحسن منذ ذلك الحين؟ ومن أين لنا، الآن، برجل متواضع وحصيف وصريح مثله، ليختزل الحالة بمثل ذلك القول المختصر والمغني عن كلّ تعليق؟ إنّ الاختلاف في الرّأي والتفكير، وحتي في معني العروبة لم يعد أمرًا ذا أهمية أمام الائتلاف في الكوارث الكبري التي بدأت بالانقلابات الدموّية والغزوات المتبادلة شأن الجاهلية الأولي، ومرّت بالاختلاف في معني الإسلام نفسه الذي تمّ تفصيله وبيعه في سوق التجزئة علي مقاس كل ذي ساطور، وانتهت بإلغاء الشّعوب، وتوقيت الدساتير علي نسق القنابل الموقوتة، وتأبيد الحكّام علي نسق الأحكام المؤبّدة، وجملكة الجمهوريّات علي صدور الجماهير التي لا رؤوس لها ولا أقدام، ولا نفوس بها ولا أحلام، وتوريث المسالخ كاملة لأبناء الجزّارين، وإرساء الأنظمة علي (قواعد) أمريكية صلبة في كلّ شبر من أرض وطننا العربي الكبير، والسعي إلي الإصلاح الذاتي باستبدال المحراث بالبندقية بالنسبة للشؤون الخارجية، واستبدال البندقية بالمحراث بالنسبة للشؤون الداخلية، والتخلي عن أسلوب (العصا والجزرة) البغيض، باستبعاد الجزرة نهائيًا عن الموضوع، ومواصلة النضّال من أجل تثخين العصا إلي أبعد حدّ، في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ أمّتنا المجيدة!

إنّ فيصل الأوّل وعبد الرحمن عزّام - وكلاهما الآن في ذمّة العزيز المقتدر - قد ذهبا، لكن الحسبة الرياضية البسيطة بقيت بعدهما كما هي. ولو أنهما عادا إلي الحياة الآن، بعد ستّين عامًا تقريبًا علي إنشاء (كلبشة الدّول العربية) لما اختلفت الحسبة إلاّ في تثخين الأصفار، ولما تردّد فيصل الأول عن أن يقول: (صفر + 20 صفرًا تساوي صفرًا يا عزّام .. ليس هناك أي واحد صحيح، سواء أكان الأمر بيدك .. أم بيد عمرو) !

من أين يبدأ مسعود؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت