فهرس الكتاب
سواء أولئك الذّين يدّعون أنّهم يحكمون بتفويض من اللّه، أو أولئك الذين يزعمون أنّهم يحكمون بتفويض من الإنسان!.
المكان في الرّواية عبارة عن مثلّث: قاعدته أفغانستان، وضلعاه باكستان وأمريكا. وحركة الأحداث والشخصّيات تتواصل في فضائه متنافرة بين هذه المواقع، لكنّها تتقارب في نموّها الحثيث، لتلتقي برغم تباعد الفصول، الأمر الذي ينمّ عن خبرة الرّاوي وكفاءته الفنيّة.
ومن جميل ما نلاحظه فيها أنّ (حسيني) الذّي كتب الرّواية بالإنجليزية كواحد من أهلها، لم ينسَ هوّيته كأفغاني مسلم، فضمّن كثيرًا من سرده وحواراته عبارات هي من صميم بيئته، وهي في معظمها عبارات عربيّة خالصة، ترجمها للآخرين في سياق عفويّ لا يؤثّر في مجري السّرد. ولعلّه وجد في استخدامها (كما هي بلسانه) حاجة لتحقيق التوهّج والحرارة المعبّرين عن روح وهويّة الرّواية، ممّا لا تستطيع التعبير عنه أيّة لغة أخري.
خلال قراءتي لهذه الرّواية الممتعة جدًّا، شعرت بأننّي أتنقّل بين مواقع علي الأرض لا علي الورق، وبين بشر حقيقيين لا مجرد أشخاص مرسومين بالكلمات.
وفي خضم رحلتي هذه كان المؤلف يقودني، صعودًا وهبوطًا، عبر مختلف الانفعالات الإنسانية، فينجح، بفعل حرارة صدقه الفنّي، في استثارة غضبي هنا، أو انتزاع ضحكتي هنالك، أو إشعال كراهيتي هناك.
ولا أتردّد عن الاعتراف بأنّه في واحدة من ذُرا تلك الحوادث المحوريّة في قصّته، قد أسلمني إلي البكاء!.
كلا .. لا يذهبنّ الظنّ بعيدًا. ليست الرّواية فيلمًا هنديًا، فلو أنّها كانت كذلك لوفّرت علي بطلها الكثير من العناء، ولأسعفته بحلول جاهزة للعقد المستحكمة التي واجهها، فتمنّي - وتمنّينا معه - لو أنّه كان شخصيّة في واحد من تلك الأفلام الهندية التي طالما شاهدها، والتي يعرف علي وجه الدقّة بأيّة حركة أو سلوك أو قول سيمكن للبطل فيها أن يخرج من محنته، لكنّه، إذ تمّر في ذهنه مثل هذه الخواطر، يتأسّف لأنّ ما يجري في الواقع هو شيء مختلف تمامًا عمّا يجري في تلك الأفلام.
ولمناسبة ذكر الأفلام، أودّ أن أجتزيء هنا لمحة من الرّواية، يدخل فيها البطل محلّ أشرطة فيديو في أمريكا، فيسأله أحد الزّبائن عن رأيه بفيلم (العظماء السبعة) الذي ينوي استعارته. ولأنّ البطل كان قد شاهد هذا الفيلم مَرات عديدة حين كان في أفغانستان، فقد أسهب في إطرائه، إلي حدّ أنّه روي للزّبون قصته كاملة، مما جعل الزّبون يتمّيز غيظًا بدلًا من أن يبدي امتنانه، وذلك لأنّ البطل أفسد عليه لذّة مشاهدة الفيلم!.
أردت، باجتزائي هذه اللمحة، أن أبيّن السبب الذي دعاني للإحجام عن تلخيص مسار الرّواية أو عرض محاورها، أو نقل بعض تفاصيلها المؤثّرة. إنّه الحرص علي عدم إفساد لذّة قراءتها بالنسبة للقاريء العربي .. وهو حرص يصاحبه الأمل بترجمتها قريبًا إلي اللغة العربيّة، ويسبقه الألم لصدور طبعتين إنجليزيتين وطبعتين أمريكيّتين منها حتّي الآن، إضافة إلي صدور ترجماتها للأسبانية والألمانية والهولندية والسويديّة والدانماركية .. واهتمام هوليوود بإعدادها للسّينما، فيما لم أسمع لها أيّ صدي في جنبات عالمنا الثقافي حتّي هذه السّاعة!.