فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 251

وقد كادت رحلته تلك أن تكلّفه حياته .. والمسألة هنا هي أننّي أنا الشّخص الذي أرسله في هذه المهمّة، وقد كان الأمر سهلًا عليّ، لأنني، في النهاية، أنا مَن اخترع (أمير) .. فهو بطل روايتي (قائد الطيّارة الورقيّة) .

ويواصل قائلاَ:(لكنّني، بعد وضع اللّمسات الأخيرة علي مسودّة الرْواية، وجدت نفسي في مارس،2003 أترسّم خطي بطلي، فأخذت مكاني في الطائرة عائدًا إلي أفغانستان، بعد غيبة طويلة امتدّت سبعة وعشرين عامًا تقريبًا.

عندما غادرت بلادي كنت في نحو الحادية عشرة، صبيّاَ نحيف البنية في الصفّ السابع الابتدائي، وها أنا أعود إليها وعمري ثمانية وثلاثون عامًا، بوصفي رجلًا متزّوجًا وأبًا لطفلين، حيث أعمل طبيبًا وكاتبًا، وأقيم في شمال كاليفورنيا).

ما أن هبطت الطائرة في كابول حتّي تردّدت في ذهن (حسيني) بضعة أسطر من الرّواية، فإذا بأفكار (أمير) قد أصبحت، فجأة، أفكاره هو: (كنت أظنّ أننّي قد نسيت هذه الأرض .. لكنّ هذا لم يحدث. لعلّ أفغانستان لم تكن قد نسيتني هي أيضاَ) .

وفي غمرة ذهوله من هذا الإحساس الغريب الذي جعله يتماهي مع بطله، يقول (حسيني) : (إنّ العُرف القديم في الكتابة يقول إنّك تكتب حول ما جرّبته. أمّا في حالتي أنا فقد كنت ذاهبًا لتجربة ما كتبته سَلفًا) !

وخلال زيارته القصيرة، يكتشف (حسيني) أنّ كثيرًا ممّا تخيّله كان مُنتصبًا أمامه في الواقع، وأنّ معظم الأحاسيس التي بثّها في روح البطل قد عادت حيّة وتلبّست روحه، حتي أنّه كان يمشي بقدمَيّ (أمير) ويتقمّص انفعالاته ويري الأشياء بعينيه.

يقول: (مثل أمير، كنت ممتلئًا بإحساس العائد إلي وطنه للقاء صديق قديم. لكن مثل أمير أيضًا شعرت قليلًا بأننّي مثل سائح في بلادي .. كلانا لم يشارك في الحروب، كلانا لم ينزف دمه مع الأفغانيين الآخرين. لقد كتبت عن شعور أمير بالذّنب .. وها أنا الآن أجرَبه بنفسي) .

وحين يعثر، بعد جهد، علي بيت أسرته القديم، يُحسّ في داخله بانكسار حاد، كذلك الانكسار الذي أحسّه بطله تمامًا عند العودة إلي المنزل القديم. هو يعيد علينا ما جرّبه الكثيرون منّا من شعور بالصّدمة والحزن، إزاء الأماكن التي تعيش رحبة وشامخة في ذاكرتنا، ثم نراها، بعد طول غياب، صغيرة ومتضائلة.

لكنّه يُقسم أنّه رأي حتّي آثار زيت السّيارات يُغطّي أرض مرآب بيتهم القديم بالصورة نفسها التي رسمها خياله لمرآب بيت أمير.

وحين استدار مودّعًا بيته القديم بقلب مفعم بالحزن، أدرك (حسيني) أمرًا غير عاديّ، هو أنَه لو لم يكتب (قائد الطّيارة الورقيّة) لكانت مشاهدته الأخيرة لبيت أبويه أشدّ وطأة علي نفسه، وأكثر إيلامًا لمشاعره. يقول: (في النهاية كنت قد مررت بهذه التجربة سلفًا: لقد وقفت، من قبل، مع أمير أمام بوّابة منزل والديه، وجرّبت شعوره

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت