فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 251

دوائر

نظرت من نافذتي في الطابق الثالث. كان الشارع ساكنًا، وبدت المحلات علي جهته المقابلة متراصفة مع سكونه مثل التوابيت. وكان المارّة القليلون يتحّركون علي الرصيف ببطء وضجر، مثلما تتحّرك موجات النهر المتكاسلة امام هبّة ريح خفيفة.

رفعت بصري إلي السماء، فبدت لي مكتظّة بالغيوم الدّاكنة الكئيبة.

خطرت في ذهني المترع بكآبة لا حدّ لها، صورة حجر مقذوف كالطلقة، يكشط، في تسارعه، وجه الماء الساكن، ويستثير الضجّة من حوله، ثمّ لا يلبث أن يخلّف من بعده دوائر تترادف وتتّسع إلي ما لانهاية.

وفكرّت في أنّ تلك الغيوم إذا ما بصقت حمولتها علي وجه الشارع فلن تبعث فيه الحياة المرجّوة. سيسطع البرق للحظة، ربما، وسيزأر الرّعد لثوان، ربما، لكن هذا هو كلّ شيء. وفي المقابل فإنّ خرير المطر الموحش سيكتسح أمامه حتّي موجات العابرين المتكاسلة، وسيجبر حتّي الأبواب القليلة المفتوحة علي الكفّ عن تثاؤبها.

(كرااااش) !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت