فهرس الكتاب
كان الرّجل، في عجلته للنزول، لا يرتدي غير سروال بيجامته، وكان وجهه لا يزال مغطّي بالصابون.
صاح النّاس برعب:
-العن الشيّطان يا رجل!
تراجع العامل فزعًا، وامتدت الأذرع للإمساك بالرّجل الغاضب الذي كان يصرخ، وفي يده تلتمع شفرة الحلاقة:
-يا خسيس .. تضع حيلك في امرأة؟!
أفلح البعض في جذب الرّجل الشّهم وتثبيته في مكانه، لكنّ موجة الزّحام الطاغية دفعت بالعامل نحوه بقوّة.
تدفّق الدّم كالنافورة، واصفّر وجه الشّهم الذي ما زالت يده قابضة علي الشّفرة المغروزة في بطن الخسيس.
صرخ العامل المطعون قبل أن يهوي علي الرّصيف:
-قتلني!
أقبل من آخر النّاصية شرطيّ يركض. وقف بين الجموع حائرًا. كان الجميع يشدّونه من كلّ جانب، وكانوا جميعًا يزعقون في وقت واحد، مشيرين إلي كل الاتجّاهات: من الخبّاز وعمّاله، إلي الأم وولدها، إلي صاحب الشّفرة، إلي جثّة العامل النازفة فوق الرصّيف.
توقّفت السّيارات في الشارع، وراحت تنفخ أبواقها دون جدوي، حيث لم يكن هناك سبيل إلي تفريق الناس.
وبين الفينة والأخري، كانت صفّارات شرطة المرور تزغرد آمرة بالتحرّك، لكن لم يكن في وسع السائقين إلاّ مواساتها بنفخ الأبواق وضخّ البنزين ودوس الكوابح بسطتُ ذراعيّ علي طوار النافذة، مصيخًا إلي ضجّة الحياة التي بعثها ذلك الحجر السّاحر في سكون نهر الشّارع، ورحت أرقب بشغف، تلك الدوائر التي خلّفها وهي تترادف وتتّسع.
قلت وأنا أسمع صفّارات الشرطة:
-تلك هي دائرة المرور.
ولم يلبث صوت سيّارة الإسعاف أن أتي يتأوّد من بعيد، وارتفع بالتدرّيج كصرخة المفجوع.