فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 251

الأزاليا الحمراء (1/ 3)

جاءت الجدّة من الرّيف لزيارة أسرة ابنتها في شنغهاي، حاملة معها للأسرة، علي سبيل الهديّة، دجاجة صغيرة.

ويبدو أنّ الجدّة كانت مضطرّة لجلب هذه الهدية الثمينة، فهي لشدّة فقرها لم تعد تستطيع توفير الطعام للدجاجة، ولأنّها قد رعتها منذ كان عمرها يومين فإنّ قلبها لم يطاوعها علي ذبحها وطبخها.

وقد كُتب لهذه الدّجاجة أن تبقي علي قيد الحياة، لأنّ ربّة الأسرة رفضت أن تذبحها، لكي تُجنّب أطفالها رؤية مشهد القتل، فظلّت الدّجاجة تزحم البيت برائحة مخلّفاتها، حتي قرّرت الأسرة أن تبيعها لتتخلّص منها، لكنّها تراجعت عن هذا القرار عندما وضعت الدجاجة بيضتها الأولي.

ذلك لأنّ قيمة البيضة في السوق كانت أعلي قليلًا من قيمة المواطن الصّيني في أيّام الزعيم الأوحد (ماوتسي تونغ) غير أنّ هذه الدّجاجة تحوّلت، فيما بعد، إلي أزمة خطيرة كادت تعصف بمستقبل الأسرة. فقد صدر قرار حزبي بإخلاء البيوت من الدّواجن، وكان من الصعب إخفاؤها طويلًا، لأنّها كانت تفضح وجودها بقأقأتها المتواصلة، الأمر الذي دعا اللجنة الحزبية في المنطقة إلي إرسال وفد لمنزل الأسرة لأخذ تعهّد قاطع بالتخلّص منها، وعرضها مذبوحة علي مسؤول الحزب في صباح اليوم التالي، وإلاّ اتُّهمت الأسرة كلّها بالعصيان!.

وفي الصباح هيّأت الابنة الكبري (آنتشي) الماء الساخن والسكّين، وقبضت علي الدّجاجة بغية ذبحها، لكنّ هذه عندما أحسّت بقرب أجلها، قفزت هاربة إلي غصن شجرة في باحة البيت، وتنقّلت صاعدة من غصن إلي آخر، حتي بلغت ذروة الشجرة، في الوقت الذي كان فيه المسؤول الحزبي يقرع جرس الباب.

وفي حيرة (آنتشي) بين الدّجاجة الهاربة وبين المسؤول المنتظر، حاولت جاهدة أن تلفّق عذرًا مقبولًا تدفع به عن أسرتها تهمة العصيان. لكنّها في تلك اللحظة بالذّات، سمعت صوت ارتطام الدجاجة بالأرض، والتفتت فرأتها تنتفض، ثم ما لبثت أن سكنت إلي الأبد.

لقد كانت هذه أوّل دجاجة في التاريخ تُقدم علي الانتحار احتجاجًا علي استبداد السُّلطة!.

وإذا كان هذا هو حال الدّجاجة في ظِلّ ذلك النظام الشمولي المطلق، فكيف، إذن، كان حال الإنسان؟!

الكاتبة الصينيّة (آنتشي مين) تعرض لنا في كتابها الفريد (الأزاليا الحمراء) صورًا بليغة لمأساة الإنسان في صين (ماو) ، هي في الحقيقة نسخ صينية لمآسي الناس في ظلّ جميع الأنظمة الشمولية في هذا العالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت