فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 251

تقول (آنتشي) : كنت أفكّر كم هو سهل علي هذه المسؤولة أن تكتب عنّي تقريرًا كاذبًا تُدخل بواسطته كلمات غامضة إلي ملفّي، حيث لا يؤذن إلاّ لرؤساء الحزب بالوصول إليها .. كلمات يمكن أن تدفنني حيّة .. كلمات إذا ما دخلت الملفّ فإنّها لن تتغيّر أبدًا، وستظلّ تتبعني حتَي بعد الموت. فالملفَ هو الذي يُحدّد مَن أنا وماذا سأكون، وتلك الكلمات هي التي ستصنع صورتي الوحيدة التي يعتبرها الحزب جديرة بالثّقة حقًا!.

وكان من حق (آنتشي) أن تذعر من هذا الاحتمال، لأنّ خبرتها منذ الطفولة قد علّمتها ألاّ تثق حتي بنفسها عندما يتعلّق الأمر بالولاء للحزب. فبعد انتقال أسرتها من البيت القديم كانت قد تعّرفت علي طفلة في سنّها، وقد سألتها تلك الطفلة ذات مرّة عمّا إذا كانت ترغب في الانضمام إلي الندوة التي تقيمها أسرتها لدراسة أقوال (ماو) كلّ ليلة بعد العشاء، فأجابتها بأنّ عليها أن تستأذن والدها أوّلًا.

تقول (آنتشي) : عندما أستأذنت والدي قال: لا .. إنني لا أريد ممارسة الثّورة حتي في المنزل. وقد فاجأني هذا الردّ وصدمني، فأمضيت اللّيلة كلّها أتساءل عمّا إذا كان والدي معاديًا في السّر للثورة، وعمّا إذا كان يتوجّب عليّ أن أكتب تقريرًا للسّلطات عنه أم لا؟.!

و (آنتشي) لم تتحرّر من عبودية المزارع الجماعية، إلاّ بعد اختيارها لعبودية التمثيل في سينما الدعاية الحزبية الممجوجة، لكنّ الملايين من أبناء جيلها لم يُقيّض لهم أن يذقوا طعم هذه العبودية المحسّنة .. فها هي أختها (المزهرة) التي كانت في المرحلة المتوسطة قد تَقرَّر أن تُرسَل إلي مدرسة مهنية، فكان لا بُدّ من إسقاط (إقامتها) في شنغهاي هي الأخري (وكأنّها ليست جزءًا من بلدها) !.

وماذا عن أختها (حجر المرجان) ؟

هكذا سألت (آنتشي) أمّها في إحدي زياراتها النادرة للأسرة، فقالت الأمَ: إنّها تُصلَي من أجل الالتحاق بأحد المصانع، ومن الصعب أن يحصل هذا، لكن إذا ظهر أنّها معاقة بدنيًّا فإنّ فرصتها للبقاء في شنغهاي ستكون أفضل. ولهذا فهي ترفض الذّهاب إلي الطبيب علي الرّغم من إصابتها بالديزنتاريا الحادَة. إنّها تحاول أن تدمّر أمعاءها ليكون لها حقَ الإدّعاء بأنها معاقة .. وكثير من الشباب في الجوار يعملون الشيء نفسه. إنّهم مرعوبون من فكرة الذَهاب إلي المزارع الجماعية.

لم تكن الأمّ لتلوم ابنتها علي ذلك، لأنَها كانت مقتنعة فعلًا بأن لا سبيل لنجاة الإبنة إلاّ بهذه الطريقة، فهذه الأمَ المنكودة نفسها عندما عادت من العمل ذات يوم مخطوفة اللّون ومنهارة تمامًا، عبّرت عن سعادتها البالغة لأنَ الفحوص الطبيّة أثبتت أنّها مصابة بالسُّل .. ذلك لأنّ هذا الأمر وحده هو الذي سيمنحها الفرصة للرّاحة في البيت قليلًا، والاهتمام بشؤون أبنائها!.

كلّ ما ذكرته (آنتشي مين) في كتابها يؤكدّ لي أنّ نظام صّدام الرَجيم كان يطلب العلم ولو في الصّين، ولو علمت (آنتشي) بسعة استيعاب ذلك النظام لعلوم صينها العظيمة، وقدرته الفائقة علي تطويرها وتسمينها، لأدركت معني تفوَق التلميذ علي الأستاذ، ولتفهّمت بلاغة الإيجاز التي نأت بالعراقيين عن تأليف السِّير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت