فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 251

أوراق من مفكّرة عاقل!

مضت سنة كاملة علي هروبي من مستشفي المجانين .. أنا الآن في منتهي السعادة .. وسأعمل المستحيل لكي لا أقع في أيدي المُطارِدين.

هؤلاء الّذين وفّروا لي مكانًا للاختباء، كانوا قد فرّوا من المستشفي قبلي. هذا ما قاله (شلغم) . لذلك فهم يُدركون جيّدًا فظاعة ما سألقاه إذا قُبض عليّ وأُعدتُ ثانية إلي هناك.

إنّنا في مركب واحد. كلٌّ منّا حريص علي عدم غرق الآخر. أنا مطمئن لهذا السبب. الحمدللّه.

مع مرور الأيّام اكتشفت أنّ زملائي في المخبأ قد اتّبعوا الخطة ذاتها التي أتبّعتها للهرب. قلت في نفسي سبحان اللّه .. كيف تأتّي لنا جميعًا أن نفكّر بالطريقة نفسها؟!

أتذكّر أنّ أهلي اتفّقوا مع رجلين تبدو عليهما سيماء الجديّة والحزم. جاء الرّجلان وهما يرتديان ثياب الممّرضين. ألبساني قميصًا بالمقلوب وربطا أكمامه من خلفي، ثم بمنتهي السرعة والحذق ألقيا بي داخل سيّارة تشبه سيّارات الإسعاف، وانطلقنا .. ويو ويو ويو ويو.

أضحك في سِرّي. نفس الخطة دائمًا، ويشربها الأغبياء.

هنا في المخبأ، الكلّ يبتسم للكل. لماذا لا نبتسم ما دمنا بعيدين عن ذلك المكان الرّهيب؟

أفكّر أحيانًا: ماذا أفادني الهرب؟ ها أنا محبوس في هذا المخبأ منذ عام. أهذه حريّة أم سجن؟

لكنّني أعود فأقول لنفسي: ألم يكن مستشفي المجانين سجنًا هو أيضًا؟ هنا علي الأقل أجد أصدقاء طيّبين يشعرون بأهميّتي، ويضحكون برغم كلّ شيء. ليس هنالك أجمل من وجودك بين أصدقاء عقلاء يحترمون عقلك.

هنا يبتكر الإخوة، كلّ يوم، مختلف الوسائل لإسعادك. اليوم، مثلًا، كان الرّاديو الوحيد لدينا يلعلع بخطاب الرئيس. قام (شلغم) وحمله علي رأسه بكلّ خشوع، ثم هوي به فجأة إلي الأرض فتحطّم وتناثرت شظاياه في كلّ ناحية.

حدّق في الحطام مذهولًا وأجهش بالبكاء:

يا جماعة .. البقاء في حياتكم. الرئيس فطس. قوموا ننصب فاتحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت