فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 251

راح (شلغم) يلطم، فيما كان الجميع يقرأون علي روح المرحوم ما تيسّر من السلام الجمهوري.

وبعد أن شبع لطمًا قال: هذا يكفي. مأجورون. أخذ حقّه وزيادة. شيّعوه يا جماعة. ولو سمحت يا عطوان أمشِ أمامهم. أعتقد أنهم لا يعرفون الطريق إلي جهنّم.

ظريف (شلغم) رغم عصبيّته الزّائدة. لقد شبعنا ضحكًا علي روح المرحوم.

القلق يأكل أعصابي ويصيب ذهني بالشّلل. أخشي أن تكون أمّي قد ثرثرت هنا أو هناك. آخر مرّة، عندما جاءت خفية لرؤيتي، قالت إنّها لا تستطيع الصبر علي هذه الحال، ولعلّها قالت إنّها ستتشفّع لي لدي الدّولة. ربّاه .. أرجو ألاّ تكون قد فعلت ذلك. سيعرفون مكاني ويقبضون عليّ.

جاءت أمّي اليوم. همست في أذني: سآخذك إلي البيت غدًا. لن يعرف أحد. كن مستعدًا. ولا تطلع الآخرين علي الأمر. كلّ شيء سيكون علي ما يرام.

علي ما يرام؟ كيف؟ والناس في الشوارع؟ والجيران؟ والحكومة؟

قالت لي بحنان: لا عليك يا حبيبي. لن يعرف أحد.

كان يومًا عصيبًا.

ما كدنا ننطلق من المخبأ، حتي فوجئنا برجل عند الباب يسدّ طريقنا.

صاح بصوت رهيب: قِفا. أليس هذا شلغم؟. تمنّيت لو أنّ الأرض انشقت وابتلعتني. لكنّ أمّي كانت رابطة الجأش. اقتربتْ من الرّجل وحيّته بلطف.

سألها: أعندك ما يثبت أنّه ليس هاربًا؟.

عجبًا لأعصاب أمّي. قالت له بكلّ برود: نعم يا سيّد .. إنّ شلغم لم يعد يشكّل خطرًا علي أحد. لقد سمحوا له بالمغادرة. انظر هذه شهادة اللجنة الطبيّة.

اعتذر الرّجل من أمّي، وتركنا ننصرف.

نفس الشوارع .. نفس الجيران .. نفس الملصقات .. نفس الشعارات .. نفس الجماهير. ولا أحد من زملاء المخبأ.

خدعتني أمي. كنت أحسبها تحبّني. ها أنا، بفضلها، أعود ثانية إلي مستشفي المجانين!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت