فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 251

ويقول إنّه، في فترة لاحقة عندما فقد بصره تمامًا، سأله عمّا إذا كان يملك وقت فراغ في المساء يمكنه خلاله أن يزوره ليقرأ له، لأنّ والدته المسنّة قد بلغت الغاية من التعب.

وقد أبدي مانغويل موافقته، دون أن يدرك في ذلك الوقت، عظم الامتياز الذي خصّه به ذلك الكاتب الكبير.

وأثناء تلك العلاقة كان مانغويل، في كثير من الأحيان، يرافق بورخيس إلي دور السينما، ليروي له أحداث الأفلام، وسط تأفّف وغضب المتفرّجين الآخرين الذين كان يزعجهم صوت الرّاوي الشاب وهو يقطع عليهم متعة المشاهدة، خاصّة أن بورخيس لم يكن ليقنع بوصف الأحداث والصور، بل كان يطلب من مانغويل أن يضيف إليها من عنده ما يعزّز الوصف، كأن يصف مشاعر الشخصيات، وزوايا الصور، من قبيل: إنّه يبدو متوعّدًا جدًا من طريقة دخوله الغرفة أو الكاميرا الآن تُظهر بانوراما المدينة بشكل رائع ومؤثّر.

وفي طريق العودة إلي شقّته كان بورخيس المولع بالتذكّر يصف لمانغويل المدينة كما كانت عندما كان يستطيع الرؤية، ويروي حكايات عن قُطّاع الطرق الممسكين بقبضان الحديد في الزوايا الخطرة من الشارع، دون أن يدرك أنّ الموقع الذي يصفه قد حلّ مكانه، في الوقت الرّاهن، البرج الزّجاجي لفندق الشيراتون، والمخزن المصمم بأحدث الطرز الهندسية!.

يقول مانغويل إنّه عندما ذكر لبورخيس أنّ هناك بئرًا، الآن، تتوسّط ميدان (سان تيلمو) السياحي، في القسم الاستعماري القديم من المدينة، لم يصدّقه، وقال مستنكرًا: لا يمكن وضع بئر في ميدان عام .. الآبار تحفر في الأفنية الخاصّة داخل البيوت.

عندئذ تخيّل مانغويل فيلمًا وثائقيًا (اقترحه كما يقول علي ريك يانغ الذي كان في ذلك الحين ينتج أفلامًا في كندا) .. ويتمثّل هذا الفيلم في تصوير معالم الحاضر في بوينس آيرس مرفقة بصوت بورخيس وهو يصف معالم المدينة نفسها في الماضي، حين كان يتجوّل في الشوارع قبل عقدين من الزّمن.

لكنّ مانغويل أبدي أسفه لأنّ أيّة محطة تلفزيون كندية لن يمكنها رؤية الميزة التي تحملها مثل هذه الرحلة.

بالنسبة لي شخصيًا أستطيع أن أتفهّم دهشة مانغويل واستثارته، حين كان يري المدينة بعينيه، ويسمع بأذنيه، في الوقت نفسه، وصفًا آخر لها مغايرًا تمامًا لما يراه.

لكنّني أستطيع أن أتفهّم جدًّا مرارة واستنكار (بورخيس) المستثار من حدّة وقسوة التغيّر الذي صنعته الرؤية بمدينته المصونة خلف أسوار عماه.

أوّل مرّة شاهدت فيها (البصرة) بعد مغادرتها منذ ثلاثين عامًا، كانت من خلال لقطات سريعة لمراسلي التلفزيون، وهم يتجوّلون فيها بأعقاب الحرب الأخيرة. وكنت في تلك الأثناء أتبع الكاميرا بغيظ ولهفة وأكاد أستوقفها لكي أقبض علي موضع من مدينتي الجميلة التي أعرف جميع دروبها كما أعرف خطوط كفّي. لكن عبثًا حاولت الوصول إليها. وعدت علي أعقابي مسربلًا بحزن وحيرة التائه الغريب في مدينة لا يعرفها قط!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت