فهرس الكتاب
ومرة جاء أحد الوعاظ للأرطاوية وذكر للناس أن عمامة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت سوداء، فغير كثير منهم عمامته لما سمعوا ما ذكر، فلما جاء الدرويش زجرهم وقال لهم: (عمامة رسول الله كانت بيضاء، ولم يلبس السواد إلا يوم فتح مكة فقط، فغيروا هذه) . ففعلوا كلهم ذلك.
وفي حادثة تظهر قوة الدرويش أنه كان يعظ ويذكّر في قرية من قرى القصيم، وبعد الصلاة دعاه أمير القرية إلى الغداء، وأثناء الغداء حدَّث الشيخ ووعظ، فضحك الأمير، فأخرج الشيخ يده من الطعام وصفع الأمير على وجهه، وقال له: أتضحك وأمامك الصراط؟ فما كان من الأمير إلا أن دعا له، وكان يقول بعد ذلك: لقد نفعني الله بصفعة الزاهد نفعًا كبيرًا (1) .
وكان في مجلس الملك عبد العزيز ذات مرة فاقتربت نملة من الملك فقفز أحد الجلساء وأزالها، ففزع الدرويش وخنقه، وقال: خايف عليه من القعس؛ خف عليه من النار.. خف عليه من النار... فكه من ملك الموت إن كان تقدر.
ونختم هذا المطلب بهذه القصة التي تخبر بها إحدى نسائه، وفيها أنه مرة تأخر في الخروج من المسجد، فلما وصل إلى زوجته التي هو عندها الليلة، طرق الباب فقالت له: ماذا تريد؟ لن أفتح لك الباب، ارجع إلى زوجتك التي كنت عندها.
فحاول معها أن تفتح له الباب وهي تأبى عليه، فلما انصرف سمعت امرأة تقول لها: لا تؤذيه قاتلك الله، فخافت خوفًا شديدًا، فلما رجع وطرق الباب فتحته مباشرة، ورحَّبت به، وقالت: ما عاد آذيك أبدًا، فقال: وش اللي غيرك؟؟ فقالت: رأيت كذا وكذا، فقال: هذه زوجتي من الحور العين في الجنة - إن شاء الله -.
فكان حَسَنَ الظن بربه، مع شدة خوفه ولزومه للسنة، وهذه حال المؤمن.
أمره بالمعروف:
(1) قد ينكر البعض مثل هذه الشدة، ولكن يقال: لكل زمان رجال، وقد أثنى مثل هذا الأمير على تلك الصفعة المباركة، والشدة تنفع مع بعض الأعراب، وإن كان الأصل هو الرفق بالناس.