الصفحة 45 من 72

فحدَّه، أو ما أشبه ذلك، لم يصحَّ له العمل حتى يقوم الشَّاهدُ في اليقظة؛ وإلَّا كان عاملًا بغير شريعة» [1] .

وذكر أنَّ ابنَ رشد سُئل عن حاكم شهد عنده عدلان مشهوران بالعدالة في قضيَّة، فلما نام الحاكمُ ذَكَرَ أنَّه رَأَى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقال له: لا تحكم بهذه الشَّهادة؛ فإنَّها باطلٌ.

فأجاب بأنَّه لا يحلُّ له أن يترك العمل بتلك الشَّهادة؛ لأنَّ ذلك إبطالٌ لأحكام الشَّريعة بالرُّؤيا [2] .

وحكى الغواليّ عن بعض الأئمَّة: «أنَّه أفتى بوجوب قتل رجل يقول بخلق القرآن، فروجع فيه، فاستدلَّ بأنَّ رجلًا رأى في منامه إبليس قد اجتاز بباب هذه المدينة ولم يدخلها، فقيل له: لا دخلتها. فقال: أغناني عن دخولها رجلٌ يقول بخَلق القرآن. فقام ذلك الرَّجلُ فقال: لو أَفْتَى إبليس بوجوب قتلي في اليقَظَة هل تقلِّدونه في فتواه؟ فقالوا: لا. قال: فقوله في المنام لا يَزيد على قوله في اليَقَظَة» [3] .

ج- رفضُ العلم بالرُّؤى مطلَقًا أو العمل بها مطلَقًا:

ولا شكَّ أنَّ كلا الأمرين خطأٌ؛ فالصَّحيح أنَّه يجوز العملُ بالرُّؤيا إذا لم تخالف شيئًا من الشَّرع؛ كالمباحات التي فيها سعة، وكذلك يجوز العمل بها إذا كانت موافقةً ومندرجةً تحت أصل من أصول الشَّريعة؛ فيجوز العملُ بها ولا يجب.

وقال ابنُ القَيِّم:(ورؤيا الأنبياء وحيٌ؛ فإنَّها معصومةٌ من الشَّيطان؛ وهذا باتِّفاق الأمَّة، ولهذا أقدم الخليلُ على ذبح ابنه إسماعيل- عليهما السَّلام- بالرُّؤيا.

وأما رؤيا غيرهم: فتُعرض على الوحي الصَّريح؛ فإن وافَقَتْه وإلَّا لم يعمل بها؛ فإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقةً، أو تواطأت؟

قلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتُها للوحي؛ بل لا تكون إلَّا مطابقةً له منبِّهةً عليه أو منبِّهةً على اندراج قضيَّة خاصَّة في حكمه لم يَعْرف الرَّائي اندراجَها فيه؛ فَيَتَنَبَّه بالرُّؤيا على ذلك) [4] .

وقد تقدَّمَ قولُ الشَّاطبيِّ: (الرُّؤيا من غير الأنبياء لا يُحكَم بها شرعًا على حال إلَّا أن تُعْرَضَ على ما في أيدينا من الأحكام الشَّرعيَّة؛ فإن سَوَّغَتْها عمل بمقتضاها وإلَّا وَجَبَ تركُها والإعراضُ عنها؛ وإنَّما فائدتُها البشارةُ أو النِّذارةُ خاصَّة ... ) [5] .

وقال في الموافقات: (فالقولُ في ذلك أنَّ الأمورَ الجائزات أو المطلوبات التي فيها سَعَةٌ يجوز العمل فيها) .

وقال: (إنَّ المنفيَّ هنا أن يعمل عليها بخرم قاعدة شرعيَّة؛ فأمَّا

(1) الاعتصام (2/ 79) تحقيق مشهور حسن.

(2) الاعتصام (2/ 82) .

(3) الاعتصام (2/ 81) .

(4) مدارج السالكين (1/ 62) .

(5) الاعتصام (2/ 68) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت