الصفحة 63 من 72

فكيف بوصيَّة لا يُعرف صاحبُها الذي نَقَلَها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تُعرَف عدالتُه وأمانتُه؛ فهي والحالة هذه حقيقةٌ بأن تُطْرَحَ ولا يُلتفت إليها، وإن لم يكن فيها شيء يخالف الشَّرع؛ فكيف إذا كانت الوصيَّةُ مشتملةً على أمور كثيرة تدلُّ على بطلانها، وأنَّها مكذوبةٌ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومتضمِّنةٌ لتشريع دين لم يأذن به الله.

وقد قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: «من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» ، وقد قال مفتري هذه الوصيَّة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم يَقُل، وكَذَبَ عليه كذبًا صريحًا خطيرًا، فما أحراه بهذا الوعيد العظيم وما أحقّه به إن لم يبادرْ بالتَّوبة، وينشر للناس كذبَ هذه الوصيَّة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّ مَن نَشَرَ باطلًا بينَ الناس ونَسَبَه إلى الدِّين لم تصحَّ توبتُه منه إلَّا بإعلانها وإظهارها؛ حتى يعلمَ الناسُ رجوعَه عن كذبه وتكذيبَه لنفسه؛ لقول الله- عَزَّ وجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [1] .

فأوضح- سبحانه وتعالى- في هذه الآية الكريمة أنَّ مَن كَتَمَ شيئًا من الحقِّ لم تصحَّ توبتُه من ذلك إلَّا بعد الإصلاح والتَّبيين، والله- سبحانه- قد أكمل لعباده الدِّين وأَتَمَّ عليهم النِّعمةَ ببعث رسوله محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، وما أوحى اللهُ إليه من الشَّرع الكامل، ولم يقبضه إليه إلَّا بعد الإكمال والتَّبيين؛ كما قال- عَزَّ وجَلَّ: الْيَوْمَ

(1) سورة البقرة الآيتان: 159، 160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت