فكثيرًا ما يسمع في المجالس بأنَّ فلانًا رأى رؤيا ويزيد هذا الخبر انتشارًا ونقلًا إلَّا عُبِّرت تلك الرؤيا فيتناقلها كثير من الناس وكأنَّها آية محكمة، ومما زاد في تعلُّق الناس بها جزم المعبِّر بتحديد الزمان والمكان؛ وهذا الجزمُ قد يكون نوعًا من التَّخرُّص أو التَّكهُّن؛ فكم قد سمع الناس بتأويل رؤيا جَزَمَ المعبِّر بذلك التَّأويل وتشوَّقت نفوسُ كثير من الناس لها، ثمَّ تبيَّنَ ذلك التَّعبير ضربًا من التَّخَرُّص، ومنشؤه ضعفُ التَّأصيل الشَّرعيِّ لذلك المعبِّر وعدم درايته بكلام أهل العلم في هذا الباب؛ هذا على التَّنَزُّل بأنَّ ذلك المنام رؤيا وليست أضغاث أحلام، ولقد أوضح أهلُ العلم وبيَّنوا ما يتعلَّق بالرُّؤى؛ لعموم البلوى بها، وكان مما خصُّوه بالتَّنبيه والتَّحذير بناء الأحكام عليها؛ فمن ذلك ما قاله الإمامُ الشَّاطبيُّ- رحمه الله تعالى: (وعلى الجملة فلا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المنة؛ نعم يأتي المرئيُّ تأنيسًا وبشارةً ونذارةً خاصَّةً بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكمًا ولا يبنون عليها أصلًا؛ وهو الاعتدال في أخذها حسبما فُهِمَ من الشَّرع، والله أعلم. الاعتصام 1/ 357.
ومما ينبغي التَّنبيهُ عليه والتَّحذير منه في هذا المقام الحذر من الإيغال في شأن الرُّؤَى المنامية؛ وبخاصة في أوقات الفتن والنَّوازل؛ فإنَّ ممَّا يلحظ في زمن الفتن والنَّوازل الإكثارَ من الحديث عن الرؤى المنامية وانتشار خبرها ومسارعة الألسنة في بثِّها وسرعة تلقُّف الآذان لها حتى أصبح الحديث عنها عند بعض أو كثير من الناس أكثر من الحديث عن النُّصوص الشَّرعيَّة؛ قرآنيَّةً كانت أو نبويَّةً؛ بل قد يسارع بعضُ الناس المتأثِّرين بذلك المنام إلى الجزم