وأسوق هنا دليلًا واحدًا يبين لنا كيف كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يعرفون المقام الملائم لكل كلام .
روى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه24 أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أراد أن يقوم مقامًا للناس يتكلم فيه عن خبر بلغه يطعن في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه - حيث تمت له البيعة في عجلة من الأمر - فلما هم عمر بالقيام ذلك اليوم قال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه: يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغائهم فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كلّ مطيِّر وأن لا يعوها وأن لا يضعوها على مواضعها فامهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متكنًا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها . فقال عمر: أما والله - إن شاء الله - لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة . . .""
فتدبر أخي رعاك الله هذا الكلام واجعله نصب عينيك ثم انظر كيف أشار عبد الرحمن على عمر رضي الله تعالى عنهما بتأخير الكلام عن تلك القضية مع بالغ أهميتها وحساسيتها . درءًا للمفسدة التي يتوقع حدوثها .
وما كان من عمر _ وهو من هو - إلا أن يأخذ بهذا الرأي السديد الرشيد فأخَّر كلامه حتى قدم المدينة على صاحبها أتم الصلاة والتسليم .
فرضي الله عن صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم فلنعم المعلم هو ولنعم المتعلمون هم .
سابعًا: على ناقل الإشاعة أن يحث المنقول لهم على التثبت والتروي والتأكد في نقلهم عنه لأنه المصدر الأصلي لهم وكل كلام يخرج منهم فمحسوب عليه ومنسوب له .
قال عمر رضي الله تعالى عنه عندما إن أراد أن يقول مقالة له - وقد سبق ذكرها - قال رضي الله تعالى عنه: